اليمن ينتصر.. الحقيقة تكشف زيف الوعي المصطنع وتكالب قوى الهيمنة إلى زوال

صادق صالح محمد الهمداني

لم يكن اليمن يوماً بلداً منسياً بالمعنى الجغرافي أو التاريخي، بقدر ما تم تغييبه عمداً في وجدان العالم خلال سنوات الحرب الأولى، ليتحول اليوم إلى محط أنظار العالم بأسره. لكن هذا التحول في الاهتمام لم يكن من باب الإنصاف، بل جاء تتويجاً لتكالب معلن وغير معلن من قوى الشر والهيمنة ، وادواتها المتاجرة بدماء أبنائه. وبين ما يُحاك في الغرف المغلقة وما يجري على الأرض، تتكشف فصول معركة كبرى لا تقتصر على السلاح والنار، بل تمتد لتكون معركة وعي بامتياز.
الوعي والوعي الزائف:  صناعة الصورة المقلوبة
تخوض الأمة اليوم حرباً شرسة لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية، وهي حرب المفاهيم التي تُدار بأدوات التضليل الإعلامي والسياسي. هناك «وعي حقيقي» ينبثق من ألم المعاناة، ومن قراءة موضوعية لجذور العدوان وحقيقة الأطماع التي تستهدف السيادة اليمنية ومقدراتها، وهناك في المقابل «وعي زائف» يتم ضخه باحترافية عالية عبر شبكات إعلامية ضخمة وممولة.
هذا الوعي الزائف يهدف إلى قلب الحقائق رأساً على عقب، فيصور الضحية جلاداً، والجلاد مدافعاً عن نفسه. ومن هنا يُعاد إنتاج السرديات المشوهة التي تُخفي خلفها طوابير النفاق، والمجاملة الرخيصة، والارتهان المفضوح للمال السعودي والإماراتي، حيث باتت مواقف الكثير من الأطراف والأنظمة تخضع لمعيار واحد: حجم العطايا والصفقات، متجاوزةً كل اعتبارات الأخوة والعروبة والدين.
اليمن.. ليس معتدياً بل معتدى عليه
من أبسط قواعد العدالة وأوليات الحقيقة أن اليمن لم يكن يوماً دولة ذات  مشاريع واطماع توسعية عابرة للحدود، ولم تغادر طائراته لقصف جيرانه. اليمن ليس معتدياً، بل هو «معتدى عليه» وهذه هي الحقيقة.
فعلى مدار سنوات طويلة – تجاوزت العقد من الزمن من العدوان والحصار الجائر – تعرضت البنية التحتية، والمؤسسات، ومقومات الحياة الأساسية في اليمن لمئات الغارات اليومية التي استهدفت الحجر والشجر والبشر. ورغم هول هذه الجرائم، واصل العالم الصمت، بل وشارك في التغطية عليها. ولعل المشهد الأفظع الذي يختزل انحياز المنظومة الدولية وسقوطها الأخلاقي هو إقدام الأمم المتحدة، في محطة مخزية، على مسح اسم التحالف الذي تقوده السعودية من «قائمة العار» لقتله الأطفال في اليمن، في صفقة سياسية مخزية بررها المسؤول الاول في الأمم المتحدة  بانه تم تهديدهم بقطع الدعم عنهم  لقد فضحت هذه التبريرات زيف الشعارات الإنسانية للمجتمع الدولي وهي المساحة المظلمة للتنفيذ الانتقائي للقانون الدولي وتعميق سياسة ازدواجية المعايير والتحيز لصالح من يدفع أكثر.
«ضربني وبكى وسبقني واشتكى»: مفارقات المشهد السعودي
تتجلى الحالة السعودية اليوم في أتم صور المثل الشعبي «ضربني وبكى وسبقني واشتكى». فعندما كانت آلاف الغارات اليومية تُمطر المدن والقرى اليمنية، وتدمر المدارس والمستشفيات، وتفرض حصاراً خانقاً يمنع الغذاء والدواء عن ملايين اليمنيين، كانت الرياض تمارس العدوان بكل وقاحة.
لكن، وما إن يتحرك اليمانيون للدفاع عن أنفسهم، مستخدمين حقهم المشروع في الرد والردع، سرعان ما ترتفع أصوات الإدانة الدولية والإقليمية، وتتباكى تلك الأنظمة في المحافل الدولية متحدثة عن «تهديد أمنها واستقرارها». هو ذاته المنطق الأعوج الذي يريد للضحية أن تظل صامتة ذبيحة، بينما يُسمح للجلاد أن يمارس عدوانه بكل حرية ودون أي مساءلة.
الخلاصة: الثمن الباهظ للموقف الحق
إن ما يجري اليوم ليس بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. فالخلاصة الأعمق والأوضح لكل ما سبق، هي أن اليمن يدفع اليوم ثمناً باهظاً ومضاعفاً لمواقفه المبدئية والثابتة إلى جانب مظلومية الشعب الفلسطيني وقضية غزة العادلة.
لم تكن تضحيات اليمن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لطبيعة شعبه الأبي الذي يرفض الانكسار أو السير في ركاب الهيمنة الاستعمارية. وحين اختار اليمن أن يكون في صف الحق، وأن يترجم أقواله إلى أفعال نصرةً لغزة وفلسطين، وقضايا وطنه وأمته العادلة أدركت قوى الشر استكمال تنفيذ مخططاته التأمرية في استهداف اليمن القديم  بصيغ جديدة وأدوات أكثرخبثًا.
إن اليمن اليوم، وسط كل هذه العواصف، يكتب تاريخاً جديداً   من الثبات والصمود؛ تاريخاً يثبت فيه أن الوعي الحي قادر على إسقاط كل أشكال الوعي الزائف، وأن الشعوب الحية التي تمتلك قضية عادلة لا تهزمها طائرات الغدر، ولا ترهبها عقوبات الحصار ولا تحالفات المطبعين والخونة والعملاء.

قد يعجبك ايضا