هندسةُ النهب.. كيف تحوّل الريعُ إلى عقيدة، والفسادُ إلى جيش؟

سامي عطا

 

سؤال الفلسفة عن حربٍ لا تُهزم
ثمة سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يفتح أبواباً على أنطولوجيا السياسة في اليمن: لماذا تمنى المملكة بالهزائم في هذه الحرب؟ الجواب الصادم أن المملكة لم تعِ أنها تقامر منذ عام 2012م، وعبر مبادرتها الخليجية، على إعادة إنتاج منظومة فساد، وهذه المنظومة هي التي تقاتل من أجلها، لا سيادة وطنية ولا استقرار إقليمي. إنها حرب يدافع فيها الفاسدون عن نظرائهم، ويتموضع فيها الجيش على منابع الريع لا على خطوط المواجهة. هذا ليس تحليلاً سياسياً فحسب؛ إنه دعوة إلى تأمل فلسفي في طبيعة السلطة حين تتحول إلى مؤسسة لنهب الثروة، وإلى سؤال أفلاطوني قديم؛ هل يمكن أن تُقام مدينة على أساس الفساد دون أن تنهار من داخلها ؟
الريع كأصلٍ أنطولوجي للفساد ؛ من ابن خلدون إلى ميكافيلي
لنبدأ من ابن خلدون، الذي فهم قبل غيره أن المُلك بالجُند، والجُند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل. عندما يُختزل المال في الريع — أي الكسب دون عمل — تنقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب: لا يصبح المال أداةً للعمارة، بل غايةً في ذاته؛ ولا يصبح الجند حاميًا للعدل، بل أداةً لحراسة منابع الريع. يصف ابن خلدون الريع بأنه كسب دون عمل، وهو تعريف يلتقي مع تحذير ميكافيلي من أن الفساد لا يعني مجرد انحراف أخلاقي فردي، بل هو انحلال الفضيلة الخاصة والنزاهة المدنية الذي يجعل الحكم الحر مستحيلًا. في الدولة الريعية، عندما تكون المادة فاسدة إلى حدٍ لا تكفي القوانين لكبحها، فلا بد من قوة أعظم — لكن هذه القوة الأعظم ليست قوة القانون، بل قوة الميليشيا الريعية التي تحمي الفساد نفسه.
هنا يظهر الإخوان المسلمون وحزب الإصلاح ليسا كاستثناء، بل كتجسيدٍ مثالي لهذا المنطق. فالتنظيم لم يتعامل مع الموارد العامة باعتبارها ملكًا للدولة، بل ضمن رؤية تقوم على تعزيز نفوذه التنظيمي. هذا ليس فساداً عارضاً؛ إنه منظومة مُدارة بعقلية تنظيمية دقيقة. من تضخيم كشوف المرتبات عبر آلاف الأسماء الوهمية، إلى نهب مستحقات النازحين، إلى تأسيس ألوية عسكرية وهمية مثل اللواء 121 في مأرب، بقيمة تتجاوز مئة وخمسين مليون دولار — كل ذلك ليس إلا تجسيداً مادياً لفكرة أن الريع، عندما يصبح أساس الوجود، يحوّل كل شيء إلى واجهة للنهب.
روسو والفساد كنتاج للمجتمع الريعي
قد يعترض معترض: أليس الفساد سلوكاً فردياً ؟ يرد روسو بأن الإنسان صالح بطبيعته، لكن المجتمع هو الذي يفسده. وفي الاقتصاد الريعي، المجتمع نفسه مُصمم على أساس الريع، لا على أساس العمل المنتج. يقول روسو إن المصلحة المالية هي أسوأ المصالح كلها، وأكثرها دناءة، وأكثرها قابلية لإفساد البشر. عندما يكون دخل الدولة من النفط — أي من ريع خارجي لا يحتاج إلى جهد جماعي — فإن المواطنة تتحول إلى ولاء، والعدالة تتحول إلى محسوبية، والجيش يتحول إلى حراسة لعائدات النفط.
وهذا بالضبط ما يجري: الفاسدون الذين نهبوا البلد منذ ما قبل قيام الوحدة واستولوا على ثرواته، حرصهم على تموضع قواتهم في مناطق الثروات النفطية فقط، ويستميتون عليها في مأرب وحضرموت وشبوة. إنها ليست خريطة عسكرية؛ إنها خريطة نهب. الجيش لا يحمي الأرض، بل يحمي الريع. والفساد هنا ليس انحرافًا عن النظام، بل هو النظام نفسه. وكما يقول روسو: الفساد يصبح عامًا عندما يفسد الحكام بعضهم بعضًا، وعندما تصل العدوى إلى الحكومة ذاتها.
المبادرة الخليجية 2011م اللحظة التأسيسية لإعادة إنتاج الفساد
المبادرة الخليجية لم تكن مجرد تسوية سياسية، بل كانت هندسة لإعادة إنتاج منظومة الفساد تحت غطاء الانتقال السلمي. لقد كانت عملية تبرئة للفساد ذات أحجام تاريخية. لم تُفكك المبادرة شبكات الفساد، بل أعادت ترتيبها، ومنحت الحصانة لمن كان يجب محاسبته، ودمجت أطراف المعارضة السابقة — بما فيها حزب الإصلاح — في بنية الريع ذاتها. وهكذا، بدلًا من أن تؤسس المبادرة لدولة مدنية، أسست لتحالف ميكافيلي بين الفاسدين القدامى والجدد.
من منظور فلسفي، هذه هي اللحظة التي تحققت فيها نبوءة ميكافيلي: في مجتمع فاسد، لا يمكن إقامة دولة حرة، بل يمكن فقط إدارة الفساد. المبادرة لم تُصلح؛ لقد أعادت إنتاج المنظومة تحت مسمى الشرعية.
الثروات النفطية فقط، ويستميتون عليها في مأرب وحضرموت وشبوة. هذه ليست استراتيجية عسكرية، بل استراتيجية اقتصادية.
الجيش – إن جاز لنا أن نطلق على مليشياتهم جيش – في الدولة الريعية ليس أداة للدفاع الوطني، بل أداة لحماية الريع، لأن عوائد النفط تشجع فساد الحكومات والنخب. حزب الإصلاح، بتشكيلاته العسكرية شبه المستقلة مثل اللواء 170 دفاع جوي في تعز، لم يكن يقاتل من أجل تحرير الأرض، بل من أجل الحفاظ على موقعه في اقتصاد الحرب.
هنا يلتقي ابن خلدون مع ميكافيلي في تحليل مفاده أن الجند عندما يُصبحون حراسًا للريع، يفقدون وظيفتهم كحماة للجماعة السياسية. يقول ابن خلدون إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة؛ وبالمثل، فإن الجيش عندما يتحول إلى تاجر ريع، يصبح مفسداً للدولة لا حاميًا لها. أفلاطون نفسه حذر: في المدن التي يصبح فيها القانون بلا قوة، يكون الدمار وشيكًا. وفي اليمن، القانون بلا قوة لأن القوة كلها مُعبأة لحماية منابع الريع، لا لحماية المواطن.
سؤال الوجود؛ هل يمكن أن تُهزم منظومة تُقاتل من أجل بقائها؟
ونحن هنا لا نطرح سؤالاً عسكرياً، بل سؤالاً وجودياً: كيف تُهزم منظومة فساد؟ المنظومة لا تقاتل من أجل أرض أو عقيدة، بل من أجل استمرار ذاتها. وهي، كما يقول روسو، كلما اقتربت من هدفها، كلما تعمق فسادها. الإخوان وحزب الإصلاح وشركاؤهم ليسوا أعداءً تقليديين؛ إنهم تجسيد لفكرة أن الريع يمكن أن يصبح عقيدة، والفساد يمكن أن يصبح جيشًا. وهزيمتهم لا تحتاج إلى جيش أقوى، بل إلى فلسفة سياسية تعيد الاعتبار إلى العمل، وإلى القانون، وإلى المواطنة — لا إلى الريع. كما قال أفلاطون: الخلاص سائد حيث يسود القانون فوق السادة والقادة، وحيث يكون القادة عبيدًا للقانون. لكن في اليمن، القادة ليسوا عبيدًا للقانون؛ إنهم عبيد لخريطة النفط.

قد يعجبك ايضا