” غداء الظهيرة الذي انتهى بعشرة شهداء و23 جريحاً”
كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهراً في منطقة الطويلة بمديرية سحار بمحافظة صعدة، كانت أسرة المواطن علي القحم تعيش لحظات عائلية عادية، اجتمع أفرادها حول وجبة الغداء في مشهد يتكرر كل يوم في بيوت اليمنيين
مائدة تجمع الأهل، وأطفال يتناولون طعامهم، وأحاديث تتنقل بين أفراد الأسرة، فيما تمضي الحياة ببساطتها التي لا يشعر الإنسان بقيمتها إلا حين تصبح ذكرى موجعة.
لم يكن الأطفال يعرفون أن لحظات قليلة تفصلهم عن مشهد سيظل محفوراً في ذاكرة من نجا منهم.
كانوا يتناولون غداءهم، لكنهم لم يكونوا يعرفون أن الموت كان يقترب.
فجأة شق صوت الانفجار سكون الظهيرة، واهتز المكان بعنف، وتحول منزل علي القحم إلى ركام فوق رؤوس ساكنيه بفعل آلة الإجرام السعودي .
في لحظة واحدة انتهى كل شيء …
المائدة التي كانت تجمع أفراد الأسرة لم تعد كما كانت، والوجوه التي كانت تتبادل الحديث اختفت خلف الغبار والأنقاض، والأصوات التي كانت تملأ المنزل بالحياة اختلطت بصرخات الاستغاثة.
لم يعد أحد يفكر في الغداء، ولا في بقية ساعات النهار.
كان هناك أطفال ونساء تحت الركام، وأرواح تنتظر من ينتشلها من بين الحجارة، وأهال اندفعوا نحو المنزل بعدما باغتتهم الفاجعة.
أي وجع يمكن أن يصفه إنسان وهو يرى منزلا كان قبل لحظات مأوى لأسرة، وقد صار أنقاضاً فوق رؤوس ساكنيه؟
وأي قلب يستطيع أن يتخيل أن تجتمع الأسرة حول وجبة الطعام، ثم يصبح السؤال عن أفرادها: من استشهد؟ ومن أصيب؟ ومن لا يزال تحت الركام؟
هرع الأهالي وفرق الإنقاذ إلى المكان، وبدأت محاولات البحث عن الضحايا وسط الأنقاض. لم تكن المهمة سهلة، فكل لحظة تمر كانت تزيد القلق على المفقودين، وكل حجر يُرفع كان يحمل احتمال العثور على مصاب ينتظر النجدة، أو ضحية انتهت حكايتها تحت الركام.
هناك أقارب وجيران يفتشون بين الوجوه، وعيون تتعلق بأي خبر يمكن أن يخفف شيئاً من هول المصاب.
لكن الأخبار التي تكشفت كانت موجعة.
عشرة شهداء، وثلاثة وعشرون جريحاً معظمهم من الأطفال والنساء.
لم تعد الحكاية مجرد منزل دُمّر في غارة جوية بل أصبحت مأساة أسرة دفعت ثمناً فادحاً، وجرحاً إنسانياً امتد إلى كل من استوقفته هذه الحصيلة.
عشرة شهداء.
عشرة أشخاص لن يعودوا إلى بيوتهم، ولن يجلسوا مرة أخرى إلى مائدة الغداء، ولن يسمع أهلهم أصواتهم في تفاصيل الحياة اليومية.
وثلاثة وعشرون جريحاً، لكل واحد منهم وجع ينتظره، ولكل قريب منهم ساعات من الخوف والترقب، وأمنية واحدة بأن ينجو أحباؤها من آثار الجريمة.
وكان الأطفال والنساء في قلب هذه المأساة.
الأطفال الذين كان يفترض أن يكون أكبر همهم ما تبقى من يومهم، وجدوا أنفسهم في زمن التوحش السعودي، ومشهد لا ينبغي لطفل أن يراه أو يعيشه.
والنساء اللواتي كنّ يعشن تفاصيل الحياة العائلية أصبحن بين شهيدات وجريحات في مأساة تكشف مقدار الألم الذي يمكن أن تتركه غارة واحدة في منزل مدني.
ولعل أكثر ما يوجع في هذه الحكاية أن الجريمة باغتت الأسرة في أكثر لحظاتها اعتيادية.
لم تكن الأسرة تستعد للرحيل، ولم تكن تتأهب لمواجهة خطر ظاهر أمامها.
كانت تتناول وجبة الغداء فحسب.
كان أفرادها يمارسون حقهم البسيط في الحياة، فإذا بذلك الحق يُنتزع منهم في لحظة.
وفيما كانت فرق الإنقاذ تواصل البحث تحت الأنقاض، بقيت حصيلة الشهداء والجرحى شاهدة على حجم الفاجعة التي حلت بأسرة القحم في سحار.
في منطقة الطويلة بسحار، لم تكن الساعة الواحدة ظهراً مجرد توقيت لغارة جوية للعدو السعودي فحسب، بل كانت لحظة فاصلة بين حياة كانت تمضي بتفاصيلها البسيطة، ومأساة خلّفت عشرة شهداء وثلاثة وعشرين جريحاً، معظمهم من الأطفال والنساء.
عند الواحدة ظهراً، كانت أسرة علي القحم تجتمع حول وجبة الغداء. وبعد لحظات صار المنزل ركاماً، وتحولت المائدة العائلية إلى صورة موجعة عن الثمن الذي يدفعه اليمنيون حين تطالهم يد السفاح السعودي.
سلامٌ على شهداء أسرة القحم، والشفاء للجرحى، والصبر لكل قلب ينتظر عودة عزيز أو يحاول أن يتعلم كيف يعيش بعد الفقد.
ستبقى مائدة الغداء شاهدة على أن وراء كل حصيلة بشرية أسرة، ووراء كل شهيد حكاية، ووراء كل طفل جريح حياة كان ينبغي أن تستمر .
ووراء كل مآسي اليمن جار سوء هو النظام السعودي
