هكذا هم أحرار اليـمن، أُّمّة تتنفس الكرامـة في زمن الاختنـاق، وتقف شامخـة بهامات تناطح السحاب عِـزاً وكبرياءً، في مشهد أسطوري يعـيد صياغـة مفاهيـم الصمـود والتضحيـة والفِـداء.
هكذا يرسم أحـرار اليمـن بدمائهم الزكية، وصبرهم الجميل، وثباتهم الأسطوري، لوحة فجـر جديد يلوح في الأفق العربي والإسلامي الملبد بالغيـوم، فجـر لا مكان فيه للخنوع أو التبعيـة أو الاستسلام لإرادة الغُـزاة.
لقد علموا البشرية درساً بليغاً ومكلفاً مفاده أن القُوّة الحقيقيـة للأُمّـم لا تكمـن مطلقاً في حجم الترسانة العسكرية أو في أرصدة البنوك وعائدات النفط، بل تكمن في الإرادة الصلبـة، والإيمان العميـق، والارتباط الوثيق بقضايا الحق والعدل والمشروعية الأخلاقيـة.
إنهم، وهم يحملون هذا العبء الثقيل بقلوب راضيـة وعزائم لا تعرف الانكسار، يكتبون تاريخاً مشرفاً وناصعاً ستقرأه الأجيال القادمة بفخـر واعتزاز بالغين.
سيذكر التاريخ، وسيسجل في أنصع صفحاته، أن هناك شعباً حُوصر وجُوّع وقُصف لسنوات بأسلحة محرمة، لكنه أبى أن يستسلم لجلاديه، وأبى أن يتخلى عن أمتـه في أحلك لحظاتها التاريخية وأشدها قتامة. سيذكر التاريخ أن أحرار اليمـن كانوا الرقم الأصعب في معادلة الصراع الكوني، والصخرة الصماء التي تحطمت عليها وتناثرت كل مشاريع التركيـع والاستعباد والتطبيع.
إن الحديث عن اليمـن اليوم ليـس حديثاً عن رقعـة جغرافيـة تكالبت عليها المحـن واجتمعت عليها الخطوب، بل هو حديث عن فكـرة لا تموت، وعن عقـيدة راسخـة جعلت من هذا البلد العربي الأصيل بوصلة لكل حـر، وملاذاً معنوياً لكل مستضعف.
إن أحرار اليمـن، وهم يرزحون تحت وطأة جراحهم النازفة وأوجاعهـم المتراكمـة الناجمـة عن سنوات طوال من الاستهداف الممنهـج، لم يتقوقعوا على ذواتهم، بل خرجوا من بين الركام يحملون على عواتقهم هموماً تتجاوز حدودهم الوطنيـة، ليعانقـوا هموم الأمّـة العربية والإسلامـية جمعاء، ويضعوا أنفسهم في خط الدفاع الأول عن المقدسات الإسلاميـة، منتصرين للمظلوميـن والمستضعفـين في مشارق الأرض ومغاربها، في ظاهرة استثنائيـة تستدعي التوقف والتأمل العميـق في طبيعـة هذا التكوين النفسي والروحي والأخلاقي الفريد الذي يميّـز الإنسان اليمني المُقاوم.
لقد تعرض أحرار اليمـن لواحـدة من أشرس المؤامرات وأكثرها تعقيـداً في التاريخ المعاصر، مُؤامرة اشتركت فيها خناجر القريب المسمومـة التي طعنت في الظهر، وأطماع البعيـد المسعورة التي سعت لنهب المقدرات ومصادرة القرار، وخيانات الداخل المأـجورة التي باعت الأوطان بحفنـة من وهم، وحسابات الخارج الباردة التي لا ترى في الشعوب سوى بيادق على رقعـة شطرنج جيوسياسيـة.
لقد تكالبت عليهـم قوى الاستكبار العالمي، وحوصروا من البر والبحر والجو في حصار خانق استهدف لقمة العيش وحبة الدواء، وسُلطت عليهم أعتى آلات الموت والدمار في محاولة بائسـة لكسر إرادتهم، وتطويع كبريائهم، ومسح هويتهـم العروبية والإسلاميـة المقاومة.
ورغم كل هذا الهول، ورغم قسـوة الأوضاع الإنسانيـة وشراسة الحرب الاقتصادية والنفسيـة، وقف أحرار اليمـن ثابتي الجأش، مستمدين صلابتهم من جبالهم الشاهقة التي لم تعرف الانحنـاء يوماً لغازٍ أو طاغية.
إن هذا الثبـات المُدهش ليس مجرد ردة فعل عابرة تفرضها ظروف المعركة، بل هو قرار وجودي صارم برفض الخضوع لكل طُغاة الأرض.
لقد أدرك اليمني الحر بوعيـه الفطري والتاريخي أن الانحناء للعاصفـة لا يضمن النجاة بل يضمن العبوديـة الُمذلة، فاختار المواجهـة بشموخ، متدثراً بِعـزّة نفس تأبى الضيـم، وبكرامـة تأنف المساومـة على الحقوق والسيـادة، ليثبت للعالم أجمـع أن الشعوب الحيـة لا تموت مهما تكاثرت عليها النِصال، وأن إرادة الحيـاة الحُـرة أقوى وأبقى من كل ترسانات الأسلحـة ومكائد غرف العمليات السوداء.
هذا الصمود الأسطوري الذي أذهل المراقبيـن وأربك حسابات المعتديـن، لا يمكن تفسيره بالقوانيـن المادية أو بحسابات التوازنات العسكرية الاستراتيجيـة التي تعتمدها مراكز الدراسات الغربيـة؛ بل يستمد جذوره العميقـة من ينبوع أصفى وأطهر، ينبوع الإيمـان الخالص والتوكّل المطلق على الله جل جلاله.
إنّ أحـرار اليمـن يمتلكون يقينـاً لا يتزعزع بنصر الله، وثقة مطلقة بأن وعد السماء للمستضعفين أقوى من مكر قوى الأرض مجتمعـة ، في قلوبهم تسكن طمأنينـة عجيبـة تجعلهم لا يخشون في الحق لومـة لآئم، ولا يهابون أحـداً إلا الله خالقهم وناصرهم.
