كيف تفوقت سردية صنعاء في معركة الساحل الغربي ؟

مراد راجح شلي

 

السردية لا تنتصر بكثرة القنوات والمواقع والمنصات والحسابات التي تتحدث باسمها، ولا بحجم الإنفاق على صناعة الصورة والخبر، وإنما بقدرتها على الصمود أمام الاختبار الأصعب وهو :
“اختبار الحقيقة”
وهنا تبدو المفارقة واضحة. فصنعاء لا تمتلك تلك الماكينة الإعلامية الضخمة التي يمتلكها خصومها، ولا شبكة القنوات والمنصات التي تستطيع أن تصنع الحدث قبل وقوعه وتحدد زاوية النظر إليه بعد وقوعه. ومع ذلك فإن سرديتها تجد طريقها إلى المتلقي بل وتزداد قدرة على الإقناع كلما اتسعت الفجوة بين ما تقوله المنصات الكبرى وما يراه الناس على الأرض.
المصداقية هنا ليست شعاراً إعلامياً بل تراكماً تصنعه الوقائع .
حين تقول وسيلة إعلامية شيئاً ثم تأتي الصور والمشاهد والتطورات الميدانية لتناقضه فإن المشكلة لا تعود في الحدث، بل في الرواية التي قُدمت عنه. ومع تكرار ذلك، يبدأ المشاهد العادي في ممارسة ما هو أخطر على أي ماكينة دعائية : ” المقارنة ”
يقارن ما يسمعه بما يراه، وما قيل له بالأمس بما حدث اليوم، وما تقدمه القنوات الكبرى بما يصل إليه من مصادر أخرى. ومع كل مقارنة تتراجع سطوة الرواية الجاهزة، ويتقدم السؤال: من الذي كان أقرب إلى الحقيقة؟
ولعل تغطية أحداث الساحل الغربي تقدم نموذجاً واضحاً للحقيقة ،والسردية الصادقة الواقعية  فالقنوات الإخبارية الكبرى وجدت نفسها أمام اختبار حقيقي للحفاظ على مسافة مهنية من طرفي المعركة تحولت من ناقل للحدث إلى طرف في صناعة تفسيره خصوصاً عندما تبنت رواية الطرف الآخر ومنحته المساحة الأكبر لتحديد معنى ما يجري .
لا تكمن المشكلة في أن يكون للوسيلة الإعلامية موقف سياسي فهذا أمر معروف في عالم الإعلام، وإنما في أن يتحول الانحياز إلى عدسة وحيدة يرى المشاهد من خلالها الحدث بحيث يصبح ما يخدم رواية العدو هو الخبر الطاغي ، وما يناقضها تفصيلاً هامشياً أو غائباً.
وهذا تحديداً ما يجعل الانحياز اختباراً حقيقياً لأي قناة تدعي المهنية .
فالمشاهد اليوم لم يعد ذلك المتلقي الذي ينتظر نشرة التاسعة ليعرف ماذا حدث. لقد أصبح قادراً على الوصول إلى الصورة من أكثر من مصدر، ومقارنة الروايات، وملاحظة التناقضات، واكتشاف المسافة بين الخبر كما وقع والخبر كما أُريد له أن يُفهم.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من تفوق سردية صنعاء ..
إنها لا تدخل مع خصومها في معركة عدد الشاشات، بل في معركة الوقائع. ولا تنافسهم في حجم غرف الأخبار، بل في قدرة الرواية على البقاء متماسكة أمام المشهد الميداني.
في معركة الساحل الغربي الأخيرة قدمت القنوات المتحالفة والتابعة للعدو السعودي سردية زعمت تقدم أدوات العدو السعودي نشرة بعد أخرى وخبراً بعد آخر وفي النهاية اتضحت الحقيقة أن قوات صنعاء انتصرت وأحكمت سيطرتها وظهرت سردية صنعاء هي الحقيقية والأكثر موثوقية
فالحقيقة دوماً تحتاج إلى وقائع تسندها.
ومع مرور الوقت، يصبح الجمهور نفسه جزءاً من عملية اختبار الروايات. ليس لأنه تحول إلى خبير سياسي أو عسكري، وإنما لأنه تعلم ببساطة أن يقارن.
وهذه المقارنة هي بداية انهيار الاحتكار الإعلامي للحقيقة.
لذلك فإن السؤال لم يعد: من يملك الإعلام الأقوى؟
بل: من يملك الرواية التي تستطيع أن تصمد حين يبدأ الجمهور بمقارنتها بالحقيقة على ارض الواقع ؟
” وهنا بالضبط تتفوق سردية صنعاء “

قد يعجبك ايضا