لم يعد الصمت في قاموس الأحرار حياداً، بل غدا تواطؤاً مكشوفاً مع الغزاة. أحد عشر عاماً مرت على المحافظات الواقعة تحت وطأة الاحتلال السعودي؛ وهي فترة كافية جداً ليميز فيها الأعمى بين يديّ الطبيب وسكين الجزّار.
إن عداء آل سعود لليمن ليس وليد الصدفة، بل هو عقيدة استراتيجية ثابتة تتوارثها العائلة الحاكمة، وتقوم على قاعدة نفسية وتاريخية واحدة: “إن ازدهار اليمن وقوته واستقلاله يعنى حتماً نهاية الغطرسة والوصاية في الجزيرة العربية”.
لقد نظر هذا النظام دائماً إلى اليمن—بامتداده البشري الهائل، وحضارته الضاربة في أعماق التاريخ، وجغرافيته الاستراتيجية—على أنه المهدد الوجودي لعرشه. لذلك، لم يكن تدخلهم يوماً بدافع المساعدة، بل كان يهدف دائماً إلى إبقاء اليمن بلداً كسيراً، جائعاً، ومثقلاً بالصراعات الداخلية. وحين انتفض الشعب اليمني ليمتلك قراره ويسقط الوصاية، جن جنون النظام في الرياض، فتحول العداء الخفي إلى حرب إبادة وحصار شامل يعادي الهوية اليمنية وكبرياء الإنسان الذي يرفض أن يُقاد من غرف الفنادق.
لم تكن شعارات “الشرعية” و”إعادة الأمل” سوى الستار الدخاني الذي خلفه الغازي ليمرر أبشع عملية سطو جيو-سياسي في التاريخ الحديث. انظروا إلى ما يحدث في حضرموت وسيئون المكلومة؛ حيث يسعى النظام السعودي لعزل هذا العمق الاستراتيجي، وتحويله إلى ممر مائي آمن لتصدير نفطه عبر بحر العرب. أما جزيرة سقطرى فقد تحولت تحت مسميات “التحالف” البائسة إلى غنيمة حرب، وجرى نهب ثرواتها الطبيعية وتحويلها إلى ثكنة استخباراتية لخدمة مشاريع التطبيع.
ولم يقف الأمر عند نهب الأرض، بل امتد لكسر إرادة الإنسان عبر زرع شبكة من السجون السرية والمعتقلات المظلمة، والتي أصبحت مقابر للأحياء يُمارس فيها أبشع أنواع التعذيب ضد كل صوت حر يجرؤ على قول “لا”. وتوجت هذه السياسة بـ مسلسل اغتيالات ممنهج حصد أرواح مئات العلماء، والقادة العسكريين الأحرار، والناشطين؛ في محاولة بائسة لتفريغ تلك المناطق من قادتها الحقيقيين وتدجين المجتمع لتقبل العبودية.
إحدى عشرة سنة مضت، فماذا قدّم آل سعود لأهلنا في المناطق المحتلة سوى الموت البطيء، وهندسة الفقر؟ لقد استخدم المحتل سياسة “التجويع كعقيدة حرب”، لكسر الكبرياء اليمني. وفي مقابل هذا الإفقار الممنهج، جرت وتجري أكبر عملية قرصنة منظمة لثروات اليمن السيادية؛ حيث تُنهب حقول النفط والغاز في شبوة وحضرموت ومأرب، وتُورّد عائداتها المليارية مباشرة إلى البنك الأهلي السعودي، بينما يُحرم الموظف اليمني من راتبه وقوته اليومي.
إن الأرقام الكارثية والانهيار التاريخي للعملة المحلية هناك لدرجة غير مسبوقة، لم تكن نتاج صدفة، بل هو مخطط مدروس ومكتوب في دوائر الاستخبارات السعودية لإذلال المجتمع. لقد صادروا الموانئ والمطارات وعطلوها، ومنعوا تصدير الثروات لإنعاش الاقتصاد، وجعلوا من “الودائع المزعومة” مسكنات وهمية لشرعنة سياستهم الإجرامية.
إن المحتل السعودي وأدواته من القيادات الخائنة والعميلة لا يستمدون بقاءهم في أرضنا من قوتهم أو شرعيتهم، بل يتغذون حصرياً على جدار الخوف والتردد في نفوس الناس. الخوف هو السجن الحقيقي الذي شيده الغزاة حول عقولنا قبل مدننا، وألم يحن الوقت بعد إحدى عشرة سنة من الإذلال أن يُهدم هذا الجدار؟
إن النزول إلى الشوارع، ورفع الصوت عالياً برفض هذا الاحتلال ومطالبة الخونة بالرحيل، هو واجب مقدس لإنقاذ ما تبقى من كرامة وحياة. عندما تلتحم الإرادة الشعبية وتفيض الحشود في الساحات، تسقط كل الحسابات العسكرية للعدوان. يجب على الجميع في المحافظات المحتلة أن يدركوا حقيقة نفسية وتاريخية هامة: إن هؤلاء الغزاة والجبابرة، وإن ملكوا آلات القتل، فإنهم يحملون في صدورهم قلوباً كقلوب الأطفال؛ ترتعد فرائصها، وتنهار معنوياتها، وتنهزم وتولي الأدبار عند أول مواجهة حقيقية وصادمة مع الإرادة اليمنية الصلبة.
نداء الدم والتراب.. قبل أن يطوي الغازي بساط الرحيل
إلى إخواننا وأبنائنا الذين تقاسمنا معهم يوماً خبز الطفولة، وجرفتهم أمواج التضليل والتجويع إلى الخندق المقابل ليحرسوا أوهام أعداء اليمن والأمة: إننا نحدثكم اليوم بلغة الدم الواحد لا بلغة الانتقام.
انظروا ملياً في مرايا التاريخ القريب والبعيد: متى كان الغازي وفياً لأدواته؟ ألم يتخلّ هذا النظام السعودي عن كل من وثقوا به بمجرد انتهاء صلاحيتهم الرخيصة؟ إن الرياض توشك أن تطوي خيامها وبساطها وترحل تاركة وراءها من راهنوا على سرابها. وقبل أن يتخلى عنكم هذا المحتل في سوق المقايضات السياسية، تخلوا عنه، واشتروا كرامتكم، وعودوا إلى أحضان وطنكم وشعبكم.
اعلموا يقيناً أن إخوانكم في الجيش اليمني قد اتخذوا قرار الحسم الحتمي الذي لا رجعة فيه؛ قراراً مقدساً ومسنوداً بإرادة الله ووعي الشعب، لتطهير كل شبر دنسه الاحتلال، واستعادة السيادة الكاملة على جغرافيتنا وتاريخنا، وصولاً إلى نجران وجيزان وعسير والوديعة. إنها المعركة الكبرى والمقدسة في تاريخ اليمن المعاصر، والفرصة أمامكم الآن لتنفضوا عنكم غبار التبعية وتشاركونا صناعة هذا الفجر العظيم، لكي تفتخروا غداً أمام أبنائكم وأحفادكم بأنكم كنتم في صف الوطن لا في صف غازيه.
لا تصدقوا الأبواق الإعلامية المتصهينة التي تقتات على تخويفكم من أهلكم وبث الفرقة؛ فاليمن يتسع لجميع أبنائه بلا إقصاء ولا تهميش. إن أي خلاف بين الإخوة مكانه الطبيعي هو طاولة حوار يمني-يمني خالص، بعيداً عن إملاءات السفارات واللجنات الخارجية، حوار ينتج مشروعاً وطنياً جامعاً يحمي حقوق كل مواطن ويصون كرامته. خندق الشرف والوطن بانتظاركم، وقطار التاريخ السريع لن ينتظر المترددين.
