نتنياهو يقاتل للبقاء وواشنطن تخسر نفوذها…

ريما فارس

 

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” تسير دائماً وفق إيقاع المصالح المتطابقة، إذ كشفت حرب غزة عن تناقضات متزايدة بين حسابات القيادة “الإسرائيلية” واعتبارات السياسة الأمريكية الداخلية. ففي الوقت الذي يجد فيه بنيامين نتنياهو في استمرار الحرب وسيلة لتأجيل أزماته السياسية والقضائية والحفاظ على موقعه في السلطة، تواجه الإدارة الأمريكية تداعيات متصاعدة للحرب، سواء على مستوى الرأي العام أو في الحسابات الانتخابية.

إنّ إطالة أمد الحرب تمنح نتنياهو فرصة لإبقاء “إسرائيل” في حالة استنفار سياسي وأمني، وتحويل الأنظار عن إخفاقات حكومته والانقسامات الداخلية التي تعصف بالمجتمع “الإسرائيلي”. غير أنّ هذه الاستراتيجية نفسها تتحوّل إلى عبء على واشنطن، التي تجد نفسها أمام غضب شعبي متنامٍ نتيجة الدعم الأمريكي لـ “إسرائيل” وما خلّفته الحرب من مشاهد إنسانية قاسية.

وفي الولايات المتحدة، لم تعد القضية الفلسطينية ملفاً خارجياً بعيداً عن صناديق الاقتراع، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في المزاج السياسي، ولا سيما في الولايات المتأرجحة، حيث يمكن لفارق محدود في الأصوات أنّ يحدّد نتائج الانتخابات. ومن هنا، يبدو أنّ استمرار الحرب يضع ترامب أمام معادلة معقدة: الحفاظ على التحالف التقليدي مع “إسرائيل” من جهة، ومواجهة رفض شعبي متزايد للانخراط الأمريكي غير المشروط في حرب مفتوحة من جهة أخرى.

أما على المستوى الاقتصادي، فإنّ الصورة لا تبدو أقلّ تعقيداً. فقد أدّت السياسات الأمريكية القائمة على العقوبات الواسعة والإنفاق الضخم والتوسع النقدي إلى إثارة تساؤلات متزايدة حول مستقبل الهيمنة الاقتصادية الأمريكية. ومع تراجع القوة الشرائية للدولار وارتفاع أعباء الاقتصاد الداخلي، بدأت دول عديدة تبحث عن بدائل تقلّل من اعتمادها المطلق على العملة الأمريكية.

ولم يعد تراجع النفوذ الأمريكي مرتبطاً بالاقتصاد وحده، بل انعكس أيضاً على صورة واشنطن الدولية. فالعقوبات التي استخدمتها الولايات المتحدة طويلاً كأداة للضغط السياسي دفعت عدداً من الدول إلى البحث عن شبكات مالية وتجارية بديلة، في محاولة لتقليص قدرتها على التأثر بالقرارات الأمريكية.

وهكذا تجد الولايات المتحدة نفسها أمام تحدٍّ مركب: حليف “إسرائيلي” يندفع نحو استمرار الحرب لأسباب سياسية داخلية، ورأي عام أمريكي بدأ يعيد النظر في كلفة هذا الدعم، واقتصاد يواجه ضغوطاً متراكمة، ونظام دولي يتجه تدريجياً نحو تعددية أكبر.

إنّ الخطر الحقيقي بالنسبة إلى واشنطن لا يكمن فقط في حرب غزة، بل في تراكم نتائجها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. فحين تصبح الحرب وسيلة لبقاء طرف في السلطة، وعبئاً انتخابياً واقتصادياً على الطرف الآخر، تبدأ التحالفات التقليدية بفقدان توازنها، وتتحوّل المصالح المشتركة إلى تناقضات مؤجّلة قد تنفجر في لحظة سياسية حاسمة…

 

 

 

قد يعجبك ايضا