الثورة نت | مها موسى
لم يعد نقص الدواء في اليمن أزمةً عابرة يمكن تجاوزها بالبحث عن بدائل مؤقتة، فبالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة، يعني غياب الجرعة في موعدها احتمالًا حقيقيًا لتدهور الحالة الصحية، فيما تتسع دائرة المعاناة مع استمرار القيود على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية وتراجع الدعم الإنساني.
وفي أحدث تحذير رسمي، حذّرت وزارة الصحة والبيئة من التداعيات المتفاقمة على القطاع الصحي نتيجة الحصار السعودي على البلاد، مؤكدة أن استمرار النقص في الأدوية المنقذة للحياة يضع ملايين المرضى أمام ظروف صحية بالغة الصعوبة، خصوصًا مرضى السكري والفشل الكلوي والسرطان وأمراض الدم والقلب.
وجاءت التحذيرات خلال مؤتمر صحفي نظمته هيئة المستشفى الجمهوري التعليمي في صنعاء، الأحد الماضي، لتسليط الضوء على تداعيات الحصار المستمر منذ سنوات على القطاع الصحي، وما خلّفه من صعوبات في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية.. ووفق المؤتمر، فإن القيود على وصول الشحنات الطبية، إلى جانب إغلاق مطار صنعاء، انعكست بصورة مباشرة على توفر أصناف دوائية تحتاج إلى شروط نقل وتخزين خاصة.
أدوية مفقودة ومرضى يموتون
تتضح خطورة الأزمة بصورة أكبر عند النظر إلى طبيعة الأدوية التي يشملها النقص؛ إذ أكدت وزارة الصحة، وفق بيانها، وجود نقص حاد في أدوية أساسية يحتاج إليها مرضى الأمراض المزمنة وأصحاب الحالات الحرجة.
وأشار البيان إلى احتياجات سنوية كبيرة من الأنسولين وأدوية اضطرابات النزف والثلاسيميا والفشل الكلوي وغيرها، مؤكدًا أن عددًا من هذه الأصناف غير متوفر أو شبه منعدم.. ووفق الأرقام التي أوردتها الوزارة، يبلغ عدد مرضى السكري نحو مليون و500 ألف مريض، فيما تصل الاحتياجات السنوية من بعض أنواع الأنسولين إلى مئات الآلاف من الوحدات، إلى جانب احتياجات كبيرة من أدوية مرضى الهيموفيليا والثلاسيميا والفشل الكلوي والسرطان.
ولا تقف المشكلة عند المرضى الذين يعتمدون على دواء يومي، إذ إن نقص المستلزمات الطبية ينعكس كذلك على الخدمات داخل المستشفيات، وأوضح نائب رئيس هيئة المستشفى الجمهوري، الدكتور عبدالله الأشول، أن نقص أدوية التخدير والطوارئ والعناية المركزة يمكن أن يؤدي إلى تأجيل عمليات جراحية وخدمات علاجية يحتاج إليها المرضى بصورة عاجلة.
الحصار وسلسلة الإمداد
تشير إفادات المسؤولين الصحيين إلى أن مشكلة الدواء ترتبط أيضًا بطرق وصوله إلى البلاد، خصوصًا الأدوية التي تحتاج إلى سلسلة تبريد وظروف نقل محددة.. وفي مؤتمر صحفي سابق بمستشفى الكويت الجامعي، قالت وزارة الصحة إن إغلاق مطار صنعاء أدى إلى فقدان السوق اليمنية لأدوية تحتاج إلى شروط نقل خاصة، فيما تواجه الشحنات القادمة عبر الطرق البرية إجراءات وتأخيرات تزيد من كلفة وصولها.. كما أشار البيان إلى ارتفاع تكاليف الشحن من عدن إلى صنعاء بصورة كبيرة نتيجة طول مسار النقل والإجراءات المرتبطة به.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للأدوية الحساسة؛ فحتى وصول الشحنة لا يعني بالضرورة وصول الدواء صالحًا للاستخدام إذا تعرضت شروط التخزين والنقل اللازمة للانقطاع.
المنظمات الإنسانية تتاجر بالإنسانية
في جانب آخر من الأزمة، وجهت وزارة الصحة انتقادات حادة إلى أداء المنظمات الدولية والإنسانية، مشيرةً إلى تراجع دورها في دعم القطاع الصحي وأن المساعدات الإنسانية باتت تخضع لحسابات وضغوط سياسية.. وذكرت الوزارة أن تمويل عدد من البرامج الصحية والأدوية والمستلزمات الطبية توقف أو تراجع بصورة كبيرة، وأن هذا الانحسار انعكس على خدمات صحية وبرامج تغذية ومرافق طبية.
وفي السياق ذاته، أكدت وزارة الخارجية والمغتربين، في بيان لها الأحد الماضي، أن المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن تستجيب لضغوط النظام السعودي وترفض إدخال الأدوية المنقذة للحياة، وفي مقدمتها أدوية التخدير، مؤكدةً أن ذلك يعتبر حالة من حالات التخادم بين النظام السعودي وتلك المنظمات، ما يفتح ملف المتاجرة بالملف الإنساني.. وأشارت الوزارة إلى أن النظام السعودي استخدم الملف الإنساني كورقة ضغط طوال 12 عامًا، بواسطة جهات ذات مهمة إنسانية، مؤكدةً أن هذه الممارسات تكشف مستوى الانتهاكات بحق الشعب اليمني. ودعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته وفق المواثيق والقوانين الدولية.
كما انتقدت الوزارة أداء المنظمات الدولية، مشيرةً إلى التنصل من مسؤولياتها الإنسانية، ومعتبرةً أن استمرار حجب أو تأخير الأدوية والمستلزمات الطبية يحوّل العمل الإنساني من وسيلة لإنقاذ حياة المدنيين إلى أداة ضغط عليهم.. وكان مؤتمر مستشفى الكويت، الذي عُقد في 18 أغسطس، قد أكد أن الجهات والمنظمات الدولية تقوم بـ«تسييس العمل الإنساني»، محمّلًا إياها جانبًا من المسؤولية عن تراجع الخدمات الصحية، ومطالبًا بإبعاد الملف الطبي عن التجاذبات السياسية وضمان وصول الأدوية والمستلزمات دون عوائق.
بين نقص الدواء وتراجع التمويل
تكشف المعطيات الرسمية أن أزمة القطاع الصحي في البلاد لا ترتبط بعامل واحد، إذ تتداخل قيود النقل وصعوبة وصول الشحنات الطبية وارتفاع تكاليف الاستيراد، إلى جانب تراجع التمويل الإنساني، لتضع المرافق الصحية أمام تحديات متزايدة وتحد من قدرتها على توفير الخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاحتياجات الإنسانية في اليمن لا تزال واسعة، مقدّرةً أن نحو 23.1 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، فيما تتركز الاستجابة الصحية على الفئات الأكثر احتياجًا.
لكن خلف هذه الأرقام يبقى المريض هو الحلقة الأضعف؛ فمريض الفشل الكلوي لا يستطيع تأجيل جلسة الغسيل، ومريض السكري لا يستطيع الاستغناء عن الأنسولين، ومريض السرطان لا يمكنه التعامل مع علاجه باعتباره خدمة يمكن تأجيلها أو الانتظار حتى تحسن الظروف.
الدواء حق.. وليس ورقة للمساومة
لا يقف مرضى الأمراض المزمنة أمام خطر المرض وحده، بل أمام حصارٍ يضيّق عليهم سبل الوصول إلى العلاج، ويجعل من تأمين الجرعة اليومية معركة لا تقل قسوة عن مواجهة المرض نفسه.. وبينما تتعاظم الاحتياجات الصحية وتتراجع الإمدادات، يبقى العدوان والحصار السعودي في صدارة المسؤولين عن هذه المأساة، بما خلّفاه من قيود على دخول الدواء والمستلزمات الطبية وتعقيد حركة الإمدادات.
إن استمرار إغلاق المنافذ وعرقلة وصول الأدوية لا يترك أثره على المستشفيات فحسب، بل يمتد مباشرة إلى حياة المرضى؛ فكل يوم يتأخر فيه الدواء، وكل شحنة تُعرقل، وكل جرعة تغيب، يضاعف معاناة من لا يملكون خيار الانتظار.. وهنا تتجسد حقيقة الحصار بأقسى صورها: دواءٌ مفقود، ومريضٌ ينتظر، وحياةٌ معلّقة على جرعة قد لا تصل.
