رياضة الرسول الأعظم ودورها في بناء الإنسان

د. جابر يحيى البواب

 

بالأمس القريب شهدت ساحات اليمن حضورا غفيرا لأمة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للاحتفال بيوم مولده، والتأمل في سيرته والتذكير بمحاسنه وصفاته واخلاقه وقيمه وكرمه، والنظر الى نشاطه اليومي، والتأكيد على أن الإسلام لم ينظر إلى الإنسان باعتباره جسدًا منفصلًا عن عقله وروحه، وإنما نظر إليه نظرة متكاملة تجمع بين سلامة العقيدة، وصحة العقل، وتهذيب النفس، وقوة البدن. ومن هذا المنطلق جاءت العناية في الهدي النبوي بكل ما يسهم في بناء الإنسان المتوازن القادر على أداء مسؤولياته في الحياة، ومن ذلك ممارسة الأنشطة البدنية والرياضية النافعة.

فالرياضة ليست مجرد حركة جسدية أو منافسة لتحقيق الفوز، وإنما يمكن أن تكون وسيلة تربوية تسهم في بناء القوة والانضباط والصبر والثقة بالنفس وروح التعاون وتحمل المسؤولية، ولذلك فإن الحديث عن الرياضة في عهد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن يقتصر على ذكر أنواع من الأنشطة التي مارسها المسلمون آنذاك، بل ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى فهم الفلسفة التربوية والأخلاقية التي أحاط بها الإسلام ممارسة الرياضة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، وهو حديث يؤكد قيمة القوة النافعة، ولا سيما حين تكون مرتبطة بالإيمان والعمل الصالح وخدمة الإنسان والمجتمع.

من أهم ما يميز التصور الإسلامي للرياضة أنه لا يفصل بين قوة البدن وقوة الأخلاق. فالمنافسة الرياضية ينبغي أن تكون وسيلة للتعارف والتعاون واكتشاف القدرات وتنمية المواهب، لا سببًا للخصومة والكراهية والتعصب «العنف الرياضي»، ولهذا فإن الفوز لا يمنح صاحبه حق احتقار المنافس، كما أن الخسارة لا تعني الفشل أو الانتقاص من قيمة الإنسان.

فالرياضة الحقيقية تعلم الإنسان أن يتقبل النتيجة بروح طيبة، وأن يحترم المنافس، وأن يلتزم بالقواعد واللوائح والأنظمة والقوانين الرياضية، وأن يضبط انفعالاته؛ وخير دليل على ذلك ما روي في السيرة النبوية، عن موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في المنافسة والسباق مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث تسابق معها، فسبقته مرة وسبقها مرة أخرى، فقال لها: «هذه بتلك». ويكشف هذا الموقف عن جانب إنساني وتربوي مهم في شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يتمثل في تشجيع النشاط البدني وإدخال السرور، وإتاحة المجال للمنافسة في إطار من المودة والاحترام.

كما ارتبطت الرياضة في المجتمع الإسلامي الأول بالانضباط والشجاعة والاستعداد وتحمل المسؤولية، ولم تكن المنافسة غاية في ذاتها، وإنما كانت جزءًا من إعداد الإنسان القادر على مواجهة متطلبات الحياة والدفاع عن مجتمعه وأمته، حيث عرف المجتمع في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عددًا من الأنشطة البدنية التي تتصل بالقوة والمهارة والاستعداد، ومنها الفروسية والرماية والسباق والمصارعة، وغيرها من الأنشطة التي كانت مناسبة لظروف ذلك العصر، الرياضة في عهد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن نشاطًا منفصلًا عن منظومة الحياة، وإنما جاءت في إطار نظرة إسلامية متكاملة للإنسان؛ إنسان قوي في بدنه، سليم في عقله، مستقيم في أخلاقه، متوازن في حياته، قادر على تحمل المسؤولية وخدمة مجتمعه؛ ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد زيادة عدد الملاعب أو إقامة البطولات، بل بناء ثقافة رياضية تربوية تجعل من المدرسة والجامعة والنادي والملعب ساحات لبناء الإنسان.

قد يعجبك ايضا