يُحكى في تراثنا الصنعاني الساخر أن رجلاً اشترى ديكاً هزيلاً لا يقوى على الصياح، وعندما سألوه: “لماذا اشتريت هذا الديك الذي لا ينفع للأذان ولا للقتال؟”، أجاب ببرود: “اشتريته لكي يعلّم دجاجي الأدب والوقار!”.
وتذكرتُ هذا الديك الهزيل وأنا أتابع قنوات “العدوان” و”المرتزقه” وهي تتحدث بدموع التماسيح عن حرص الرياض وأبوظبي على “استعادة النظام الجمهوري” في اليمن! والواقع هنا يفرض علينا استدعاء المثل الشعبي اليمني: “جاء يداويها.. عماها”، بل إن الأرقام والوقائع التاريخية تثبت أنهم لم يأتوا لإنقاذها، بل جاءوا لتقسيطها وبيعها في سوق النخاسة السياسي.
السيرك الأيديولوجي: أي جمهورية يريدون؟
من أعظم الكوميديات السوداء في المشهد اليمني الحالي، أن تجد فصائل المرتزقة المتنافرة ترفع شعار “الجمهورية”، بينما يحمل كل فصيل منها مشروعاً ينسف مفهوم الدولة من أساسه:
* ميليشيات الإصلاح وحلم “الخلافة الداعشية”: يتباكى حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون) على النظام الجمهوري والدولة المدنية، بينما يثبت واقع سيطرتهم الميدانية أنهم حوّلوا مناطق نفوذهم إلى حاضنة لتمكين الجماعات المتطرفة. إن حلمهم الحقيقي والعميق ليس جمهورية المواطنة، بل إقامة دولة خلافة بنكهة دينية متطرفة لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن تنظيم “داعش”، حيث تُصادر الحريات ويُكفّر المخالفون باسم الدين.
* جماعة “عفاش” وتوريث العائلة: يخرج بقايا نظام علي عبدالله صالح ليحدثونا عن “النظام الجمهوري”، وهم الذين جاؤوا من رحم 33 سنة من الحكم العائلي الذي فرّغ الجمهورية من محتواها، وحوّلها جهاراً نهاراً إلى “جمهورية ملكية وراثية” كان يجري الترتيب لتسليمها للابن كإرث عائلي خاص. هؤلاء لا يريدون استعادة الجمهورية، بل استعادة “العزبة” المفقودة.
* الحراك والانفصال “بأي ثمن”: أما المجلس الانتقالي الجنوبي وفصائل الحراك التي تمولها أبوظبي، يرفعون علم التشطير ويحظرون علم الوحدة في عدن، ويلاحقون كل من يهتف لليمن الواحد. قادتهم أعلنوها صراحة في خطاباتهم: “نحن مستعدون للتحالف مع أي دولة في العالم، حتى لو كانت إسرائيل، في سبيل الانفصال وإعلان دولة الجنوب العربي!”. كيف يستقيم منطق السخرية هنا والتحالف يزعم أنه يستعيد “جمهورية اليمن” عبر دعم فصيل مستعد للتحالف مع الشيطان لتمزيقها؟
التاريخ الأسود لآل سعود ضد اليمن والجمهورية
إن المفارقة الكبرى هي أن تقود المملكة العربية السعودية – وهي نظام ملكي وراثي مطلق لا يعرف دستوراً ولا برلماناً ولا صندوق اقتراع – تحالفاً لحماية “جمهورية اليمن”! والتاريخ القريب والبعيد يوثق السجل الأسود الطويل لآل سعود في محاربة أي نهضة أو نظام جمهوري يمني:
الحقبة التاريخية المؤامرة السعودية ضد الجمهورية والسيادة اليمنية
-عام 1934 اتفاقية الطائف: قضم واقتطاع الأراضي اليمنية التاريخية في نجران وجيزان وعسير تحت قوة السلاح.
1962 – 1970 حرب الثماني سنوات: إنفاق مئات الملايين لتمويل الحرب الملكية ضد ثورة 26 سبتمبر الجمهورية محاولةً لإجهاضها.
عام 1977 اغتيال المشروع الوطني: هندسة عملية اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي لوقف بناء دولة جمهورية مستقلة وقوية.
عام 1994 حرب الانفصال: تقديم الدعم المالي والسياسي المباشر لمحاولة تشطير اليمن لإبقائه ضغيفاً وممزقاً.
ما بعد 2015 عدوان المباشر: احتلال الجزر والموانئ وتدمير البنية التحتية تحت لافتة “مجلس القيادة” الهزيل المعين في الرياض.
الحصاد الرقمي لـ “جمهورية الفنادق”
إذا كان الشعار المرفوع هو “الجمهورية”، فإن الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية على الأرض تكشف حجم الجريمة الممنهجة:
1. الانهيار والشرخ المالي: بسبب طباعة العملة دون غطاء والنهب المنظم، انهار الريال اليمني ليتجاوز الدولار الواحد حاجز 2000 ريال في أسواق عدن المحتلة، بينما يستقر بصورة صارمة وقانونية في صنعاء والمحافظات الحرة عند حدود 533 ريال للدولار. هذا الشرخ يثبت أن شرعية الفنادق لم تستعد دولة، بل استعادت المجاعة لـ 80% من السكان.
2. منشأة بلحاف المعتقلة: منشأة الغاز الطبيعي المسال التي بلغت تكلفة إنشائها 4.5 مليار دولار (أكبر مشروع اقتصادي في تاريخ اليمن)، تحولت بقرار إماراتي إلى ثكنة عسكرية مغلقة ومقر للاستجواب، مما يحرم الشعب من إيرادات سنوية تتجاوز مليار دولار كانت كفيلة بدفع رواتب جميع موظفي الدولة.
3. احتلال الجزر الاستراتيجية: جرى تحويل جزيرة ميون في مضيق باب المندب إلى قاعدة عسكرية أجنبية مغلقة، بينما تخضع جزيرة سقطرى (بمساحتها البالغة 3,796 كم²) لسيطرة استخباراتية وشبكات اتصالات إماراتية خارج السيادة اليمنية بالكامل.
الخاتمة: الحقيقة العارية
هنا تسقط الأقنعة وتتحطم المساحيق على صخرة الواقع؛ فالجمهورية اليمنية الحقيقية ليست بضاعة معروضة في مزادات “اللجنة الخاصة” السعودية، ولا هي هبة تُمنح بمرسوم ملكي أو أميري من عواصم لم تعرف يوماً معنى الدستور والبرلمان. إن الحقيقة العارية التي يجب أن يسمعها مسؤولو الفنادق وقنوات التحالف هي أن الجمهورية لا تفر في طائرات خاصة هرباً من المواجهة، لتعود ذليلة فوق مجنزرة أجنبية مستعمرة.
الجمهورية الحقيقية هي التي تعيش اليوم في تفاصيل الصمود الأسطوري لأبناء هذا الشعب في صنعاء وكل شبر حر؛ تجدها في كرامة القرار الوطني المستقل، وفي السيادة الكاملة التي لا تقبل المساومة، وفي دماء الرجال الذين يذودون عن حياض الوطن ويرفضون بيع كرامتهم براتب شهري من السفير السعودي محمد آل جابر. أما جمهوريتهم المزعومة، المعتقلة في غرف “المعاشيق” والمحاصرة برغبات الوصاية الأجنبية، فما هي إلا صدى مشوه لـ “ديك التراث الهزيل”، الذي يظن واهماً أن أمواله ومدرعاته وصخب إعلامه يمكن أن تعلّم الأسود معنى الوقار والحرية! لقد مضى زمن الوصاية، واليمن اليوم يكتب جمهوريته الحقيقية بمداد العزة وبنادق الشرفاء، ولا عزاء للأجراء.
