سيكون مدخلنا لهذا الموضوع من باب أهل الفن، أهل الخيال الواسع، باعتبار أن الواقع لا يمكن بحال من الأحوال أن يعطي صورة واضحة للحالة التي نناقشها، فكان لا بد من المرور بباب الخيال، لننظر بعد ذلك نظرة فاحصة، ولنميز بين السالكين طريق الواقع المحدود طولا وعرضا، والسالكين طريق الخيال الواسع غير المحدود.
ورغم أن طريق الخيال قد أنتج أطول سيمفونية مسجلة في رسميا في موسوعة (غينيتس) للأرقام القياسية لا تتجاوز مدتها الساعتين، و تطلب ذلك اوركسترا ضخمة جدا، تضمنت اربع فرق للآلات النحاسية، وعشرات العازفين، ونظرا لكلفة إنتاجها الباهظة فلا تعزف إلا نادرا !
أما سيمفونية (استعادة الدولة) فقد تجاوزت مدتها العشر سنوات، وقد شكل لها مؤخرا مسرح ضخم (مجلس) يضم ثمان فرق، تمثل ضعف عدد فرق أطول سيمفونية مسجلة في موسوعة الأرقام القياسية (غينيتس)، ويقود اوركسترا سيمفونية استعادة الدولة العميل المدعو العليمي، وعلى رأس كل فرقة من فرق الاوركسترا الثمان، عميل بدرجة نائب، والآلات العزف لهذه الفرق حديدية وليست نحاسية.
ويصعب لحد الآن على موسوعة (غينيس) تسجيلها ضمن أرقامها القياسية، فحتى الخيال الفني والفضاء الافتراضي لا يتسع أي منها لهذه السيمفونية، التي تجاوزت مدتها العشر سنوات، وبلغت فرق عزفها ثمان داخل مسرح الاوركسترا، أما خارجه فلا تكاد تحصى الفرق وعازفوها!
وعقب مرورنا ببوابة خيال أهل الفن، وبعد إدراكنا تعذر عزف أطول سيمفونية في هذا الخيال بشكل متكرر، بسبب طول مدتها التي وصلت لساعتين وكلفتها الباهظة، وإدراكنا أيضا ان سعة الخيال الفني لا تساوي شيئا أمام خيال العازفين في اوركسترا سيمفونية (استعادة الدولة)، لا من حيث المدة، ولا من حيث الضخامة، ولا من حيث الكلفة، ومع ذلك يستمر ويتكرر عزف هذه السيمفونية دون أي توقف!
ولنغادر الآن الخيال الفني، ونعود إلى الواقع، لنشاهد ما إذا كان هناك من أثر ملموس، أو صدى محسوس، لسيموفونية (استعادة الدولة) التي يعزفها قائد الاوركسترا العميل العليمي ونوابه العملاء السبعة، قادة فرق العزف الحديدية، ومن قبلهم جميعا عزفها المايسترو هادي، ورغم تجاوز مدة عزف هذه السيمفونية عشرة أعوام، إلا أنه لا أثر لها ولا صدى على أرض الواقع، ولا جمهور لها، والسبب بسيط للغاية وهو أن هذه السيمفونية غبية غباء عازفيها، ولذلك لم يفهمها ولم يتقبلها الجمهور.
فاستمرار الترويج لأكثر من عشر سنوات لاستعادة الدولة، يؤكد أن المروجين لا يفقهون ما يروجون له، وأنهم لا يختلفون عن الببغاوات التي تقلد الأصوات التي يتم تلقينها لها دون أن تدرك معناها، وهؤلاء كذلك، فلو كانوا يدركون معنى الدولة لما رددوا ذلك الارويج الغبي، ولما تسولوا مساعدتهم في استعادة الدولة! فالدولة ليست سلعة يمكن لمن فقدها لسبب أو لآخر أن يستعيدها إذا ما تحسنت أحواله، فالدول تتكون وتنشأ بشكل تلقائي بمجرد اكتمال أركانها، والدولة اليمنية اكتملت أركانها، ونشأت منذ أكثر من قرن من الزمان، وهي قائمة وأركانها ثابتة لا تتزحزح من مكانها، والدولة اليمنية معلومة جغرافيا وديمغرافيا، ولا تأثير لبقاء أو ذهاب من أمسكوا بزمام السلطة فيها، فهم ذاهبون والدولة باقية، كونهم ممثلين لركن من أركانها هو ركن السلطة، أما ركنا الشعب والأرض فثابتان ثبات الجبال، ولم يتأخر ركن الشعب في سد فراغ ركن السلطة العامة بعد اندحار من شغلوا مناصب هذا الركن من الخونة والعملاء، وفرارهم كالجرذان.
وقد تختفي الدولة في حال تعرض ركني الشعب والأرض لزلزال مدمر قضى على شعبها وأتى على إقليمها، وقد تختفي الدولة كذلك إذا ما تعرضت للاحتلال والضم من جانب دولة أخرى، فلو تمكن ترامب من ضم كندا لاختفت هذه الدولة من الوجود، ولو تمكن ترامب أيضا من احتلال قرين لاند لاختفت من الوجود، لكن في حال الضم أو الاحتلال يمكن لركن الشعب أن يستعيد الدولة من الداخل فيقاوم الاحتلال ويرفض الضم إلى أن يتحقق الاستقلال، وتعود الدولة للوجود، فمن داخل الجغرافيا وعن طريق الشعوب تستعاد الدول المحتلة، ولا تستعاد من خارجها.
ونحن هنا نقترح على العازفين في اوركسترا سيمفونية (استعادة الدولة) أن يعزفوا سيمفونية أخرى قد تكون أجدى لهم، خصوصا وهم في وكرهم المعلوم! هذه السيمفونية هي سيمفونية استعادة الجمهورية، باعتبار أن الدول كما أسلفنا ليست سلعة وليست ملكية خاصة، يمكن استعادتها في حال تحسن ظروف مالكها، أما الجمهورية فهي صيغة من صيغ أنظمة الحكم في الدول، وتتعلق بركن واحد فقط من أركان الدولة هو ركن السلطة.
وعلى العازفين للسيمفونية الجديدة المقترحة أن يروجوا وهم يتسولون المساعدة لاستعادة الجمهورية، أن الذين في صنعاء قد استولوا على مؤسسات الدولة وحولوا نظام الحكم فيها من جمهوري ديمقراطي تعددي إلى وراثي ديكتاتوري، وليختاروا وهم يتسولون ويتسكعون الصيغة التي تناسبهم في ترويجهم، فيمكنهم ان يقولوا إن نظام الحكم في صنعاء ملكي أو أميري أو مشيخي أو أي صيغة من الصيغ المعمول بها في النطاق الجغرافي الذي يتحركون فيه، ويتسولون منه المساعدة.
ورغم أن السيمفونية المقترح العزف عليها أكثر واقعية ومنطقية في ما لو تبناها أولئك العازفون، لكن أياً منهم لن يحرؤ على ذلك، باعتبار أن الأوكار التي يندسون فيها، أنظمة حكمها وراثية ديكتاتورية، ولن يروق لها العزف على سيمفونية استعادة الجمهورية من أوكار الملكي الوراثية، وهم يقبلون بالعزف على سيمفونية (استعادة الدولة)، باعتبار أن العزف على هذه السيمفونية لا يحدد طبيعة نظام الحكم في الدولة، وما إذا كان ملكيا وراثيا أو جمهوريا ديمقراطيا، ومن ثم فالعزف على هذه السيمفونية يحقق لمشغلي العزفين أجنداتهم، وأجندات أسيادهم.
وإذا ما تجرأ العازفون- فرضا- على تبني السيمفونية المقترحة (استعادة الجمهورية) فإننا ننصحهم أن يضمنوا هذه السيمفونية مقطوعات تتعلق بطرق إسناد السلطة وتداولها ديمقراطيا خلال مرحلة حيازتهم لها، ولتكن البداية بعفاش من نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي، وكيف شغل منصبه بطريقة ديمقراطية دموية سلسلة؟ وكيف عبث بأمن الوطن ومقدراته؟ وكيف تداول السلطة سلميا بمفرده؟ أو بالأصح كيف تناولها تارة باليمين وتارة بالشمال! ولمدة خمسة وثلاثين عاما.
ولا بد أن تتضمن السيمفونية المقترحة مقطوعات تتعلق بالتأمر على الوحدة الوطنية، بعد ان تهيأت الظروف الدولية لتحقيقها سلميا؟ وكيف عمل عفاش بالتعاون مع حزب الإصلاح على تصفية كوادر شريكه في السلطة، وشريكه في التوقيع على اتفاقية الوحدة؟ وكيف استقدم القوى الإرهابية من العرب الأفغان، وأشعل حربا أهلية دموية سنة 1994م خدمة للسعودية لتتجاوز بها موعد التجديد الثالث لاتفاقية الحدود الموقعة سنة 1934م المعروفة باتفاقية الطائف، ولتدمر بها قوات البلد العسكرية، ومقومات حياة الشعب الاقتصادية.
ولا بد أن تتضمن السيمفونية المقترحة نبذة من تحايل عفاش وزمرته في نظامه الديماغوجي على دورات شغل منصب رئاسة الدولة، التي حددها الدستور في صيغته الأولى بدورة واحدة مدتها خمس سنوات فقط، فعدلها عفاش عقب حرب 1994م التدمرية الدموية، لتصبح دورتين مدة كل منهما خمس، وقبل نهايتهما وفي تعديل سنة 2001م رفع مدة كل دورة إلى سبع سنوات، وتصفير العداد، لتبدأ حساب المدة من هذا التاريخ!
وكذلك لا بد من تضمين السيمفونية المقترحة ولو محطة واحدة من محطات الخيانة الديماغوجية العافشية للوطن، تلك المحطة التي أهدر فيها عفاش حقوق الشعب لصالح السعودية مقابل ثمن بخس، وتلك الحقوق سبق أن حفظتها للشعب اتفاقية الطائف لمدة ستة وستين سنة منذ عام 1934م وحتى عام 2000م، ومن وقعها تحت التراب رحمة الله عليه، وحين وافق عفاش على اتفاقية جدة لسنة 2000 التي أنهت لصالح السعودية كل المزايا التي تضمنتها اتفاقية الطائف لصالح الشعب اليمني، وقبض عفاش لحسابه الخاص ولزمرته مقابل جريمته ثمنا بخسا لا يتجاوز العشرين مليون دولار.
ولا يفوتكم أيها العازفون أن تضمنوا السيمفونية المقترحة ديماغوجية عفاشكم في العمالة والارتهان وإباحة الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، تسرح وتمرح فيه مخابرات القوى الأجنبية، ويمكنكم الاستفادة مما هو متاح على شبكات التواصل الاجتماعي من توثيق بالصوت والصورة من ردود عفاش على أسئلة صحفية تتعلق بتواجد (CIA) على الأراضي اليمنية، وعن سبب تواجدهم حين رد حرفيا قائلا (نعم هم متواجدون، ويلتقون بقيادات الأحزاب والمشايخ وبيجندون لهم عملاء)!
ولا يفوتكم أبداً أيها العازفون تضمين السيمفونية المقترحة أي مزية من مزايا ديماغوجيتكم وديماغوجية عفاشكم التي تتباكون عليها، والتي قال الشعب فيها كلمته وأسقطها وأسقطكم والى غير رجعة، ومن الآن فصاعدا سيضغط الشعب على وجوب التحرك من أجل استعادة الدولة للخونة والعملاء المتواجين في عدد من دول الجوار لمحاكمتهم على ما اقترفوه من جرائم بحق الوطن، سواء بأيديهم أو بأيدي مشغليهم، بما وفروه لهم من ذرائع تحت عناوين استعادة الدولة وإسناد الشرعية، ودعم الحكومة المعترف بها دوليا، وهذه العناوين ليست سوى ذرائع للمشغلين، لتحقيق أهدافهم وفرض أجنداتهم على الجغرافيا اليمنية…
