من واقع الخطوة الأخيرة التي لجأ إليها ترامب، يتجلى بوضوح تنامي حالة اليأس لدى الإدارة الأمريكية؛ ومع احتراق الأوراق الأمريكية الواحدة تلو الأخرى دون جدوى، هبط سقف طموحات واشنطن في حملتها العدوانية ضد الجمهورية الإسلامية بشكل حاد، ليصبح أقصى مناها هو استعادة الوضع الذي كان سائداً قبل 28 فبراير. ومع استطالة أمد الأزمة، يتفاقم النزيف الأمريكي ويتآكل وزن واشنطن وتأثيرها، حتى أضحى سقوطها النهائي مسألة وقت ليس إلا.
يسعى ترامب عبر وعيده الأخير المتمثل بشن «حرب اقتصادية ساحقة» تهدف لخنق طهران ماليّاً وبحريّاً، إلى تجريد الجمهورية الإسلامية من ركائز قوتها، وعزلها كدولة منبوذة؛ بيد أنه يجهل أن مخططاً كهذا لا يمكن أن يرى النور أو يحظى بأي مشروعية، استناداً إلى تحركات مأزومة لدولة غارقة أصلاً في مستنقع العدوان ضد الشعوب. لقد هوت المكانة الأمريكية حين جعلت واشنطن من نفسها غطاءً للجرائم التي يرتكبها الكيان الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، وسقطت أقنعتها عندما أحيت سلوك البلطجة السياسية؛ مستبيحةً سيادة الدول، ومختطفةً قادتها، وشاحذةً اعتداءات تفتقر إلى أدنى المعايير القانونية والأخلاقية.
وفي سلوكها مع الجمهورية الإسلامية، ما زالت واشنطن توغل في غيها محاولةً فرض إرادتها عنوة؛ إلا أن كل تحرك تبتدعه لابتزاز طهران، لا يجد أمامه سوى الصخرة الصماء لصلابة الشعب الإيراني المسلم. وكلما تجرعت واشنطن مرارة الإخفاق، تعاظم لديها أنين الكبرياء المجروح؛ الأمر الذي دفع بسلوكها نحو مسارات أكثر عدوانية، تتجلى بوضوح اليوم في محاولة خنق جديدة ضد الشعب الإيراني.
وعند النظر إلى بنية هذا الوعيد والتوجّه بفرض حصار بحري شامل في مضيق هرمز وعقوبات جمركية قاسية بنسبة 25% على شركاء طهران التجاريين، يخلص المراقبون إلى أن واشنطن قد ألقت بآخر ما في جعبتها من أوراق؛ غير أنها تورطت هذه المرة في مناورة تتجاوز حجمها وقدراتها، مستندةً إلى فرضية واهمة تقضي بأن المجتمع الدولي بأسره مهيأ للانصياع لحماقاتها وتبني إملاءاتها. وبغض النظر عن مواقف الدول الحرة التي تعجز واشنطن عن تطويعها للتماشي مع هذا النهج المأزوم، فإن طهران نجحت في إجهاض مفاعيل هذا المخطط، وتحجيم قدرته على النيل من صمودها أو دفعها نحو مربع الاستسلام.
وفي هذا السياق، يجمع قادة العمل السياسي والعسكري في الجمهورية الإسلامية على أن وعيد ترامب الأخير لا يعدو كونه فقاعة دعائية جديدة، ستتحطم كما سابقاتها على صخرة الموقف الحاسم والصمود المستميت للشعب الإيراني. أما منطق الأمور فيبرهن على أن إيران تستند في مواجهتها إلى عقيدة استراتيجية وإيمانية يفتقر إليها معسكر العدوان بأكمله بزعامة واشنطن؛ ومن هنا، يتلاشى أي خيار أمام طهران سوى المضي في مسار الصمود الأسطوري، والذود عن سيادتها بكل ما ملكت يمينها من قوة.
فليس من منطق التاريخ أن يستسلم بلدٌ لغازٍ يستبيح أرضه، ويصادر سيادته، ونهب ثرواته. وفي مسار السلام، باتت طهران على دراية كاملة بالسلوك المراوغ لواشنطن؛ التي لا تتورع عن التوقيع على المعاهدات ثم الانقلاب عليها بصلف، متوقعةً من الأطراف الأخرى الوقوف عند حدود النوايا الحسنة والانصياع الأحادي للالتزامات.
وإدراكاً منها لهذه المنهجية الأمريكية الخبيثة، فرضت طهران معادلة صارمة منذ توقيع مذكرة التفاهم؛ حيث تمسكت برهن أي تقدم في مسار بناء الثقة بالتوازن التام والخطوات المتزامنة، قاطعةً الطريق أمام أي محاولة للعبور نحو التزامات جديدة قبل الإيفاء الشامل والمتبادل بالخطوات السابقة. هذا الوعي اليقظ الذي جسدته طهران بصورة عملية على أرض الواقع، أصاب واشنطن بلوثة عقلية حرجة، وسلب قدرتها على توجيه دفة الأحداث، وهوى بها في مستنقع من التخبط المأزوم؛ بعد أن وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام ندية حاسمة ومواقف صارمة لم تعهدها في تاريخ صراعاتها.
ومما عمّق مأزق الإرباك الأمريكي، الافتقار التام لاستراتيجية بديلة؛ الأمر الذي جعل استجابات واشنطن ترتد في قوالب انفعالية متشنجة تعجز عن مجاراة التحولات المتسارعة على رقعة الميدان. ولأنها ليست إلا تحركات تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، فقد قُدّر لها دائماً أن ترتطم بجدار الإخفاق الذريع.
