على امتـداد التاريـخ، سعت الإمبـراطوريات المتعاقبـة إلى تطويـع الجغرافيـا لتتـواءم مع طموحاتهـا التوسعيـة، ولم تكـن أمريكا بمعـزل عن هـذا المسـار في العصـر الحديث.
لقد تبلورت الاستراتيجيـة الأمريكيـة الكبرى في الشـرق الأوسط حـول أهداف جوهرية لا تقبـل المساومـة من فرض هيمنـة عسكرية واقتصادية مطلقة والسيطـرة المحكمـة على منابـع الطاقـة وخطوط الإمـداد العالميـة وتأميـن التفـوّق الاستراتيجي للكيـان الصهيوني، وتطويق النظام الإيراني وصولاً إلى إضعافه أو إسقاطـه بالكامل.
كانت الخريطـة تبـدو مثاليـة على طاولة صُنـاع القـرار في واشنطـن، من خلال خطط محكمة وقوّة عسكرية لا تضاهى.
بيـد أن الرياح الجيوسياسيـة جرت بما لا تشتهي السفـن الأمريكيـة.
وفي خضـم هذا السعي الحثيث نحو الهيمنـة برزت نقطـة جغرافيـة صغيـرة لتشكل صدعاً عميقـاً في الجدار الاستراتيجـي الأمريكي.
إنهُ ( مضيـق هرمـز ) ذلك الممـر المائي العتيق الذي لا يتجاوز عرضـه في أضيـق مناطقـه واحـداً وعشرين ميـلاً بحرياً.
لقد تحـوّل هذا المضيـق من مجـرد معبـر تجاري إلى ( عُقـدة ) معقّـدة وصخـرة صمّـاء تكسّـرت عليها كبرياء القُـوة العسكريـة والاقتصادية الأعتىٰ في العالـم.
لم تكـن الأزمـة في القـدرات العسكرية الأمريكيـة التي صُممت لتسهيـل سيطرتها على المحيـطات المفتوحـة والميـاه العميقـة، بل في طبيعـة المضيق الجغرافيـة القاسيـة المليئـة بالجـزر والخلجان، والتي فرضت قواعـد اشتبـاك جديدة كليـاً.
أدركت طهـران مبكـراً أن خوض مواجهة بحرية كلاسيكيـة مع الأسطول الأمريكي هو ضـرب من الانتحـار العسكري، فلجـأت إلى استراتيجيـة “الحـرب غيـر المتكافئـة”. تحولت جغرافيـة المضيق إلى مسرح عمليـات مثالي لزوارق سريعـة تتبنى تكتيكات الأسـراب الاستنزافيـة التي تُعطل أعتى الرادارات، وترسانة صاروخيـة ساحليـة متخفيـة ببـراعـة في التضاريـس الوعـرة، وشبكـة صامتـة ومرعبـة من الألغام البحريـة والغواصات الصغيرة.
هذا التعقيـد التكتيكي المتقـن جعـل من أي عمليـة عسكرية أمريكيـة واسعـة النطاق مغامـرة محفوفة بخسائر فادحـة، وتكلفة لا يمكن للداخل الأمريكي، سياسيـاً وعسكرياً، أن يتحملها.
ولم يتوقف الأمـر عند الحدود العسكرية، بل امتـد ليمس العصب الحساس للاقتصاد العالمـي؛ إذ تحـوّل المضيـق الذي يمـر عبـرهُ قرابة خُمـس استهلاك العالـم من النفـط إلى سلاح للردع المتبـادل وتوازن الرعـب.
وأصبحت القـدرة على إغلاقـه، أو مجـرد التلويح الجدي بذلك، بمثـابة “بوليصـة تأميـن” إيرانيـة حالت دون تنفيـذ واشنطـن لخطط الإسقـاط العسكري المباشـر.
وبات صانع القـرار الأمريكي يدرك تمامـاً أن أي شـرارة حرب هنـاك تعني توقف شريان الطاقة العالمـي، وانهيـاراً فورياً للأسواق، ودخول الاقتصـاد الأمريكي والعالمي في ركـود مظلم لا قعـر له.
تجاوزت ارتدادات هذه “العُقـدة” حدود الميـاه الخليجيـة لتلقي بظلالها الثقيلة على المشهد الإقليمي بأسـره. فالمساعي الأمريكيـة لعزل طهـران وتأميـن الكيان الصهيـوني ارتدت عكسياً؛ حيث وجدت واشنطـن نفسها متورطـة في استنـزاف مستمـر لمواردها العسكرية لمجرد تأميـن حرية الملاحـة، بدلاً من التفـرغ لهندسـة المنطقـة كما خططت.
وفي ظل هذا الانشغـال، استثمـرت طهـران حالة الردع لتوسيـع دائرة تحالفاتها، وبنـاء طوق أمني معقـد حول الكيـان الصهيوني يفوق قـدرة واشنطـن على تفكيكه بضربة استباقيـة. ومع مرور الوقت، تبددت ثقـة دول المنطقـة في المظلة الأمنيـة الأمريكيـة “المطلقة”، ما دفع العديـد من العواصـم إلى إعادة توجيـه بوصلتها الاستراتيجيـة، والبحث عن توازنات جديـدة مع قوى عالميـة صاعدة كالصيـن وروسيـا، وهو ما يضرب في صميـم مشروع الهيمنـة الأمريكيـة.
في نهاية المطاف، تقف “عُقـدة هرمـز” اليـوم كشـاهد حي على حدود القـوة للإمبراطوريات المعاصـرة.
لقد أثبتـت هذه البقعـة الجغرافيـة أن التفـوق التكنولوجي الهائل والإنفاق العسكري الفلكي يمكـن أن يُصـاب بالشلل أمام جغرافيـا معنّـدة، وإرادة سياسية تجيـد قراءة نقاط ضعف الخصـم وتوظيفها ببراعـة.
هكذا تلاشت الأحـلام الأمريكيـة في السيـطرة المطلقة على المنطقـة، لتجد القـوّة الأعظـم نفسها أسيـرة لمضيـق ضيـق يتحكم في نبض العالـم، ويفشل بصمت وصرامـة كل خطط الهيمنـة الكبرى.
