ثلاث محطات دونت في صفحات التاريخ المعاصر، كما دونت صفحات الماضي، حقيقة أن اليمن مقبرة الغزاة، وأن من تطأ قدمه أرضها معتديا لا بد أن يواجه بأس أهلها وإرادتهم التي لا تلين.
كانت البداية من صافر في مارب، حين دوى صاروخ توشكا ليضرب تجمعات الغزاة والمرتزقة، مخلفا وراءه مشهدا داميا وشاهدا على قوة البأس اليماني، ليؤكد أن الأرض اليمنية ليست ساحة مفتوحة لمن أراد العبث بها أو تدنيس ترابها.
ثم جاء توشكا الثاني متجها غربا، حاملا معه البأس الشديد، ليحط رحاله في شعاب الجن بالمخا، ويفتح فصلا جديدا من فصول المواجهة، مستهدفا تجمعات الغزاة وفرق البلكويتر والجنجويد والمرتزقة، في مشهد أعاد إلى الذاكرة اليمنية ملاحم الصمود والثبات، وأكد أن تراب اليمن يرفض الغزاة والعملاء على حد سواء.
وكانت عمليتا صافر وشعاب الجن كفيلتين بأن تكونا درسا لمن أراد غزو اليمن، فهذه الأرض التي وصفها التاريخ بمقبرة الغزاة لا تقبل غازيا ولا محتلا، ولا ترضى أن تكون مرتعا للمشاريع الخارجية أو أدواتها المحلية.
لكن الغرور أعماهم، ولم يتعظوا مما سبق، فواصلوا إعداد العدة وحشد أدواتهم من العملاء والمرتزقة، ودفعوا بهم إلى مناطق الرويك والعبر والثنية، داخل معسكرات أعدت لتجهيزهم لخوض جولة جديدة من الحرب على اليمن.
كانوا ينتظرون التوجيهات من قياداتهم وداعميهم في الخارج، متجاهلين أن عيون اليمن لا تنام، وأن كل خطوة من خطواتهم مرصودة، وأن من يخطط لاستهداف اليمن لن يجد الأرض غافلة عنه.
ومن الرويك والعبر والثنية، كان المشهد يتشكل من جديد. رصد ومتابعة، ثم استعداد واستجابة، حتى جاءت لحظة الصفر، وانطلقت الصواريخ والطائرات المسيرة لتقول إن اليمن لا ينسى، وإن ذاكرته حاضرة، وإن كل محاولة لإعادة إنتاج العدوان ستجد أمامها إرادة يمنية تعرف كيف تدافع عن أرضها.
وكأن الصواريخ وهي تحلق فوق أرض سبأ كانت تحمل رسالة تتجاوز اللحظة إلى التاريخ، رسالة تقول إن أرض السد ومعبد الشمس ونقوش النصر وعرش بلقيس ما زالت تحمل روح اليمن الذي عرفه التاريخ قويا عزيزا، وأن أحفاد تلك الحضارة لم يتخلوا عن حقهم في الدفاع عن أرضهم وكرامتهم.
وبرهة من الزمن كانت كفيلة بأن يتغير المشهد في الرويك والعبر والثنية، فتتلقى تجمعات المرتزقة ضربات موجعة، وتتحول معسكراتهم وثكناتهم ومخازنهم إلى مشهد من آثار المواجهة، لتصل الرسالة واضحة إلى كل من يراهن على إخضاع اليمن بالقوة.
هنا اكتمل المشهد، من صافر إلى شعاب الجن، ومن الرويك والعبر والثنية، سلسلة من المحطات التي تقول إن اليمن لم يكن يوما أرضا سهلة للغزاة، وإن التاريخ الذي سجل ملاحم اليمنيين في مواجهة المعتدين ما زال حاضرا في ذاكرة هذا الشعب.
إنها حكاية أرض لا تقبل الانحناء، وشعب يرى في أرضه امتدادا لتاريخه وهويته وكرامته. وبين الماضي والحاضر تبقى الرسالة واحدة: اليمن أرض الإيمان والحكمة، أرض الأنصار، والأرض التي لا تسمح لمن جاءها غازيا أو محتلا بأن يفرض عليها إرادته.
وسيظل تراب اليمن، مهما اشتدت العواصف وتعددت المشاريع، شاهدا على صمود أهله وتمسكهم بأرضهم، شامخا بالعزة والكرامة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
Prev Post
