وجوهٌ حملت وجع الحصار

مراد راجح شلي

 

الحلقة الثانية

:من “الرحلة التي كان يفترض ألا تصل”

مذكرات سرد ذاتي من داخل ملحمة رحلة الوفد الوطني التاريخية

دوّى صوت المذيع الداخلي في أرجاء المطار يطلب من الجميع مغادرة محيطه فوراً بعد رصد تحليق المقاتلات السعودية في الأجواء.

في تلك اللحظة أدركت أن رحلتنا لن تبدأ من بوابة السفر .. بل من بوابة المواجهة.

وأدركت أيضاً أن المهمة التي نحملها لم تعد مجرد مرافقة إعلامية لوفد وطني، بل موقفاً نؤدي فيه ما نؤمن أنه واجب تجاه وطننا وشعبنا.

خرجنا جميعاً إلى الساحة الخارجية .. تجمعنا هناك في العراء، رجالاً ونساءً، مسؤولين وإعلاميين ومرضى وطلاباً وأطفالاً.

وللتاريخ أقولها كما حدثت…لم يغادر أحد، ظل أفراد أمن المطار يكررون نداءاتهم طالبين منا الابتعاد عن محيط المطار، لكن أحداً لم يتحرك.

كان الخطر يحلق فوق رؤوسنا، لكن اليقين في داخلنا كان أكبر من الخوف، مرت دقائق بدت وكأنها ساعات.

ثم وصلتنا الأخبار بأن القوة الصاروخية تعاملت مع الطائرات المعادية، وأنها غادرت الأجواء، تنفس الجميع شيئاً من الطمأنينة، وعدنا إلى داخل المطار .

بدأت إجراءات السفر من جديد، تفتيش .. وشحن للحقائب…ومراجعة للأوراق..وكأن شيئاً لم يحدث.

أما داخلي، فلم يكن كما كان ..كان يمتلئ غضباً كلما تذكرت أن شعباً كاملاً يُمنع من حقه في السفر، وأن مطاراً يتحول في كل مرة إلى ساحة تهديد بسبب عنجهية نظام لا يزال يتعامل مع اليمن بعقلية الوصاية والحصار .

في صالة المغادرة بدأت أتأمل الوجوه من حولي، قيادات، وطلاب، وجرحى، وعائلات، ومرضى أنهكهم الانتظار، كان لكل وجه قصة ولكل حقيبة حكاية لم تُروَ بعد.

هناك التقيت مجدداً بالعزيز كمال شرف، وبرفيق الحرف الكاتب مصطفى عامر، كنت أعرف كمال منذ سنوات عبر منصة “إكس” ثم تحولت المعرفة الافتراضية إلى صداقة حقيقية منذ لقائنا الأول حين حضر حفل توقيع كتابي الأول .

لطالما رأيت في تجربة كمال شرف درساً للأجيال، لم يصنع اسمه بين ليلة وضحاها، بل صنعه بالصبر، والمثابرة، والانضباط، والإيمان برسالته.

حدثني ذات مرة أنه بقي سنوات ينشر أعماله دون أن يحظى بإعجاب واحد، لم يتوقف .. ولم يتذمر، ولم يسمح للإحباط أن ينتصر عليه، واصل السير حتى أصبح أحد أبرز رسامي محور المقاومة، خلف ذلك النجاح، كان يقف إنساناً بسيطاً، ودوداً، قريباً من الجميع .

أما مصطفى عامر، فقد عرفته أيضاً عبر منصة “إكس” قبل سنوات، وكان ممن شرفوني بحضور حفلات توقيع كتبي، مصطفى ليس مجرد كاتب، إنه مشروع معرفة يمشي على قدمين، كلما قرأت له شعرت أن الكلمات عنده لا تُكتب، بل تُبنى بناءً، وأن الفكرة لا تولد على الورق إلا بعد أن تمر برحلة طويلة من التأمل والوعي، هو من أولئك الذين يتحدثون بهدوء…لكنهم حين يكتبون، تتحول أقلامهم إلى مواقف، وتصبح الكلمات أكثر حضوراً من الضجيج.

مع مرور الوقت أدركت أن كمال ومصطفى سيكونان أقرب رفيقين لي في هذه الرحلة.

وبينما كنت أتنقل ببصري بين الوجوه، استوقفني شاب يقف مع زوجته وطفله الصغير، بدا وجهه مألوفاً.

كانت الذاكرة تحاول أن تستعيد اسماً غاب عنها أكثر من خمسة عشر عاماً من مجالس العلم لدى العلامة احمد بن أحمد الوشلي .

قبل أن أتقدم نحوه سمعت رجل الأعمال الشيخ محمد يحيى يناديني باسمي، اتجهت إليه، فوجدته يجلس مع العزيز أبو نصر، لم أكن أعلم أنهما سيكونان معنا في الرحلة، فرحت برؤيتهما، وجلست نتبادل أطراف الحديث.

وبينما نحن نتحدث، اقترب ذلك الشاب، صافح الشيخ محمد، ثم أبو نصر، ثم التفت إليّ، ظل ينظر إلى وجهي لحظات كأنه يقلب صفحات قديمة من الذاكرة، ثم قال مبتسماً: أستاذ مراد؟

ابتسمت بدوري وقلت: أحمد… أليس كذلك؟

تعانقنا عناق إخوة فرقتهم السنوات وجمعتهم الصدفة في أكثر الأماكن استثنائية.

جلس إلى جواري، وأخذ يحدثني عن سنوات دراسته في الخارج، ثم عن انتقال أسرته للعيش في صنعاء.

سألته عن سبب سفره، وهو يحمل زوجته وطفله معه.

تغيرت ملامحه ورسمت ابتسامة حزينة طريقها إلى وجهه، ثم قال بصوت أنهكه الألم:ابني مريض بالسرطان منذ ثلاث سنوات، أوصى الأطباء بعلاجه في الخارج، لكن لقبي وحده كان كفيلاً بأن يجعل السفر مخاطرة.

كنت أخشى المرور عبر مناطق المرتزقة بعدما رأيت كثيرين اختُطفوا أو غُيبوا بسبب أسمائهم أو مواقفهم.

تنهد طويلاً ثم أردف: كل يوم كنت أشاهد ابني يذبل أمام عيني، ولا أملك له شيئاً، وحين سمعنا بهذه الرحلة، سارعت إلى تجهيز أوراقي.

نهض من مكانه، وقال: سأحضر علي… أريدك أن تسلم عليه.

عاد بعدها، وهو يحمل طفله الصغير، كان في الخامسة من عمره ..صافحته برفق.

كان جسده نحيلاً، وعيناه غائرتين، لكنه كان يقاوم مرضه بابتسامة صغيرة .

تحدثت إليه بكلمات بسيطة، بينما كانت الغصة تخنق صوتي.

لم أكن حزيناً على طفل واحد فقط.. بل على وطن كامل يدفع أطفاله ثمن حصار لم يختاروه .

يتبع ..

 

قد يعجبك ايضا