الثورة / خليل المعلمي
اينما وجد الفلسطيني فالقضية في فكره وعقله وأعماله وأنشطته وفي جميع مجالات حياته، والمقاومة هي ثقافته الأبدية حتى ينتزع حقوقه التي سلبها منه العالم أجمع باعترافه وسكوته عن جرائم الكيان الصهيوني لأكثر من 8 عقود من الزمن.
أحد نتائج هذه الثقافة وجود متحف يعني بالتراث الفلسطيني وتاريخه في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن، إنه متحف فلسطين أول متحف مخصص للفن الفلسطيني في العاصمة “واشنطن دي سي”، تأسس في العام 2019م، ويعد ثاني متحف يتمحور حول فلسطين في الولايات المتحدة (بعد متحف فلسطين في أمريكا بكونيتيكت) والأول من نوعه في العاصمة واشنطن.
وهو أيضا مؤسسة ثقافية رائدة تعنى بحفظ التراث وتوثيق الهوية الفلسطينية، ونظراً للمكائد التي تستهدف هوية الشعب الفلسطيني بإنكار تاريخه، ومحو كل ما يثبت أحقيته بأرضه، كان لابد من جمع كل ما يمكن أن يحقق هذا الحق أو على الأقل يبرزه، فضلاً عن السعي للمحافظة على التراث الفلسطيني بكل تفاصيله من خلال تسليط الضوء على الحقائق التاريخية وتوثيق الأحداث التاريخية، وتظهر الجوانب المضيئة والقائمة التي تعرض لها أبناء الشعب الفلسطيني، وتحفظ تراثه وموروثه الثقافي.
و”متحف فلسطين” هو قصة مكان يحفظ بين ثناياه تاريخ وطن، ويروي قصة حضارة لكل قطعة أثرية موجودة فيه، فتنشط الذاكرة وتربط الحاضر بالماضي.
يقع المتحف في مجموعة من المباني شمال میدان “دوبونت سيركل” في واشنطن، ولا يبعد سوى بضع دقائق بالسيارة عن البيت الأبيض ومبنى “الكابيتول” ووزارة الخارجية، قد لا يتجاوز حجم متحف الشعب الفلسطيني حجم شقة، ولكنه قادر على اصطحاب الزوار في رحلة عبر الزمان والمكان.
ينقسم المتحف إلى قسمين رئيسيين الأول هو معرض دائم يسلط الضوء على القطع الأثرية التاريخية والثقافية من فلسطين، ويضم مجموعة متنوعة من المعروضات بدءاً من القطع الأثرية التاريخية، والآخر يعرض أعمال الفنانين الفلسطينيين. يعرض إناء فخارياً نبطياً يعود تاريخه إلى 2000 عام، بجانب جدار الشهرة، الذي يسلط الضوء على الشخصيات الفلسطينية الرئيسية من القرون الماضية، على اتساع نطاق التاريخ الفلسطيني. تؤكد بعض القطع على الهوية الفلسطينية قبل قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948م، مثل صفحة من مجلة ناشيونال جيوجرافيك تعود لعام 1914م، وثوب فلسطيني تقليدي، وطوابع تعود إلى فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، التي كانت متداولة من عام 1920م إلى عام 1948م.
ويعرض المتحف الزي التقليدي الفلسطيني الذي لم يتخل عنه أهل البلد للحفاظ على التاريخ الطويل والتراث الذي يتخطى آلاف السنين، حيث إن لكل خيط تاريخاً يحكي حكاية شعبية وما يميزه هو أن لكل مدينة الزي الخاص بها، سواء من طبقات الزي أو ألوانه أو طريقة تطريزه. ويعرض الكوفيات التي تخلد ذاكرة الإنسان الفلسطيني، وبعض المقتنيات التي تركها سكان غزة خلال التهجير القسري الذي تعرضوا له.
يستكشف المتحف نزوح عام 1948م المعروف باسم “النكبة” – أو “الكارثة” – من خلال معروضات بعنوان النكبة والشتات. وتعرض جوازات سفر من فترة الانتداب البريطاني إلى جانب عقود زواج من أوائل القرن العشرين، بالإضافة إلى صور الفلسطينيين يحملون مفاتيح منازلهم السابقة. يقدم المعرض الفن كشكل من أشكال المقاومة، كما يتضح من الرسم الكاريكاتوري الشهير لشخصية “حنظلة”، يظهر هذا الرسم، الذي يصور طفلاً صغيراً يدير ظهره ويشبك يديه، في العديد من رسومات الفنان الفلسطيني ناجي العلي ويستخدم على نطاق واسع كرمز للمقاومة الفلسطينية علما بأن العلي نفسه اغتيل في لندن عام 1987م.
ويقدم لوحة بعنوان “موعد لعب غير مشروط” للفنانة الفلسطينية الكندية داليا الشربيني لطفلين على جانبي جدار الفصل الصهيوني الإسرائيلي، هذا الجدار، الذي يطلق عليه الفلسطينيون اسم جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، يعزل الفلسطينيين عن بعضهم البعض في الضفة الغربية المحتلة.
وفي عام 2004م، قضت محكمة العدل الدولية بعدم شرعية هذا الجدار. وهذه اللوحة مزيج من السريالية والواقعية وصرخة إنسانية من أجل السلام والحياة في وئام.
الجدار ليس أكثر من مجرد دعامة للعب الأطفال، يجعلهم يعرفون ثقافتهم، ويشعرون بالارتباط بتاريخهم.
يسعى المتحف إلى تحقيق ارتباط رمزي بين الفلسطينيين الذين يعيشون معزولين عن بعضهم البعض جغرافيا في قطاع غزة والضفة الغربية، إضافة أيضاً إلى الفلسطينيين الذين يعيشون في الخارج، والهدف من المتحف هو التطرق إلى تاريخ وثقافة ومجتمع فلسطين والفلسطينيين، فهو متحف “عابر للحدود”، ومهمة المتحف نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم عبر الفن. ومهما فعل الصهاينة وأنصارهم، ففلسطين تعيش وستعيش رغما عن السياسيات الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني.
