في تاريـخ الشعـوب هناك لحظات فارقة لا تُقـاس فيها الخيـارات بمدى راحة العيـش أو التوازنات الظرفيـة، بل بمعيـار واحد لا يقبل التجزئـة: الكرامـة الـوطنيـة.
فحيـن تحيـط المحـن بالأمّـم ويصبـح القـوت اليومـي ومستلزمات الحيـاة الأساسيـة أوراقاً في مـزاد الإخضـاع السياسي، ينشطر المسار إلى طريقيـن لا ثالث لهمـا؛ إما القبـول بارتهـان الإرادة والوضع المستعبـد، وإما النهـوض لكسـر القيـد وفرض معادلة جديـدة تسقط رهان الخصـوم على الإنهاك والتطويـع.
وفي هذا الفضاء المفعـم بالتحدي، يرتسـم الموقف الذي يعلـن بصوت صريـح أن الشعوب الحُـرّة لا تبيـع كرامتهـا، وأن الحقـوق المسلوبة لا تُستجـدى على أعتـاب المنظمات والمجاملات السياسيـة، بل تُنتـزع بصمـود لا يليـن وحِـراك لا يتوقف.
لقد تجـاوز المشهـد اليمـني حدود الأزمـة الإنسانيـة التقليـدية ليتحول إلى معركـة وجودية تتداخل فيهـا خطوط الحصار الاقتصادي الخانق مع صراع الإرادات الإقليمي والحضاري.
إن حرمـان النـاس من ثرواتهم الوطنيـة السيادية، وتعطيـل شريان الحيـاة في الموانئ والمطارات، وتعقيـد دخول الاحتياجات الأساسيـة حتى تصل بأسعار خياليـة، لم يكن مجـرد إجراءات عقابيـة عابرة، بل مخططاً يهدف إلى إيصـال المجتمـع إلى مرحلة الانهيـار الداخلي واستعبـاد القرار السياسي.
غير أن المراهنة على استكانة هذا الشعب أثبتت عقمها أمـام واقع تجذرت فيـه عقيـدة الرفض، حيث تحـول الحرمان المعيشي إلى وقـود لإعادة تعريف أدوات الصراع، والانتقـال من موقـع المعاناة إلى فرض الحظـر وتغييـر قواعد اللعبـة في المعابـر المائيـة الحيويـة.
إن رفع معادلة “الحصار بالحصار” لم يكن خيـاراً عبثيـاً أو بدافع المغامـرة، بل جاء كضرورة حتميـة فرضتها التضحيـات الممتـدة والواجب الأخلاقي والدينـي تجـاه الذات وتجاه قضايا الأُمّـة المصيرية.
فبينما اتجهت أنظمـة عديدة إلى الانخراط في المسـار الاستعماري والصهيوني وجعلت من نفسها متـارس لحماية العـدوان على فلسطيـن وغـزة، كان للضميـر الشعبي والوعـي الأصيـل كلمـة أخرى تأبى الوقوف في موقف المتفـرج.
لقد ألغى هذا الموقف الصلب المسافات الفاصلة بين المظلوميـة المحليـة والقضيـة المركزية، مؤكّـداً أن معركة الاستقلال الشامل عن الهيمنـة الخارجيـة وحدة لا تتجزأ، وأن التصـدي للحصار في الداخـل هو ذاته إسنـاد للقدس والمقاومـة في وجـه مشاريع إعادة تشكيل المنطقـة وإعادة فرض الوصاية عليهـا.
ويتجلى الرهـان الحقيقي في تلك المشاهد الجماهيرية الغفيـرة التي ملأت الميادين في “جمعـة التحذيـر والنفيـر”، لتصنـع برهاناً ساطعاً على أن الوعي الجمعي يتفـوق دائمـاً على الحسابات الضيقـة والتآمر الخارجي.
إن احتشـاد الملاييـن لم يكن مجـرد تظاهرة عابرة، بل كان استدعاءً حياً للهوية والشهامـة التاريخيـة التي رفضت عبر العقـود كل أشكال الاحتـلال والارتهـان.
إنها الرسالة الأكثـر وضوحـاً لكل القوى الإقليميـة والدوليـة: لا يمكن التغاضي عن شعب يرى في معركة كرامتـه حـداً أقصى لا يقبـل المساومـة، ولن تجدي نفعاً بيانات الإدانة المشتـراة أو المحاولات اليائسة لتركيـع الأحرار.
سيبقى المسار ثابتـاً، والبوصلة متجهـة نحو الاستقلال الناجـز، مُعلنـة بثبـات راسـخ أن العِـزّة هي الخيـار الأول والأخيـر، وأن معادلة الحصار قد تغيـرت إلى الأبـد.
Prev Post
