التاريخ لا يرحم.. ثمن الارتهان ومعركة استقلال اليمن

محمد علي اللوزي

ما يزال البعض يراهن على أن السعودية هي المخلص لليمن واليمنيين من معاناتهم أو على الأقل مبرر لخياناتهم لزمن غير قصير تجلى بوضوح ساعة إعلان تحالف العدوان عاصفة الحزم، حيث تداعى مثقفو وعلماء الارتزاق إلى خلق مبررات لحصار اليمن وتدميره والتنكيل به وأهله، وجعلوا من السعودية وكأنها الجهة التي تملك مفاتيح الإنقاذ، وأن مستقبل البلاد لن يستقيم إلا بما تمنحه من دعم أو وعود أو ودائع مالية.
غير أن هذا الرهان، يتجاهل تاريخا طويلا من التعقيدات والصراعات التي ارتبطت بالعلاقات اليمنية – السعودية منذ العقود الأولى من القرن العشرين، وهي مرحلة يراها أصحاب هذا الرأي بداية لمسار طويل من التدخلات التي أثرت في القرار اليمني وأضعفت الدولة وأدخلت البلاد في دوامات من الانقسام والاقتتال.
إن صفحات التاريخ اليمني، بما تحمله من أحداث ووثائق وشهادات، تزخر بصور متعددة للتدخل السعودي في الشأن الداخلي، سواء بصورة مباشرة أو عبر قوى وشخصيات يمنية ارتبطت بمصالح خارجية، الأمر الذي أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة، وإثارة النزاعات، واستنزاف مقدرات اليمن، وإجهاض محاولات النهوض الوطني.
واليوم، يتكرر المشهد ذاته في صورة لا تختلف كثيرا عن سابقاتها، إذ تتجه بعض القيادات والشخصيات السياسية وعلماء الخيانة التبريريين إلى الرياض بحثا عن الدعم والرضا، ويتنافس كل طرف على إثبات أنه الأكثر قدرة على تنفيذ ما يطلب منه، حتى بدا وكأن معيار الوطنية لدى البعض قد استبدل بمعيار القرب من الرياض وطلب رضاها لتسبغ عليه النعم، وأصبح الولاء للمصالح الأجنبية مقدما على الولاء للوطن، بل وصارت الوطنية لدى هؤلاء خيانة موسومة بالرافضة والمجوس والولاء لإيران.
وفي كل مرة تنسج الوعود ذاتها، وتقدم للجماهير الأحلام نفسها. تثار الأحاديث عن ودائع مالية بمليارات الدولارات، وعن مشاريع إعمار واستثمارات كبرى، وعن مستقبل سيجعل اليمن في مصاف دول الخليج، تنتشر فيه المدن الحديثة، وترتفع ناطحات السحاب، وتمتد الجسور، وتقام المصانع، وتزدهر الموانئ والحقول. غير أن هذه الوعود، تتكرر منذ عقود دون أن يتحقق منها ما يلامس حياة المواطن الذي ما يزال يرزح تحت وطأة الفقر والحصار والانهيار الاقتصادي.
إن المواطن اليمني ليس بحاجة إلى المزيد من الوعود، بل إلى استعادة قراره الوطني، وإلى بناء دولة قوية تستثمر ثرواتها وإمكاناتها بعيدا عن الارتهان لأي قوة خارجية. فالأوطان لا تنهض بالهبات المؤقتة ولا بالخيانة والارتزاق والاتجار بالفتاوى الدينية، وإنما تنهض بالإرادة الحرة، وبالمؤسسات الوطنية، وباقتصاد منتج، وسيادة لا تساوم، وقرار لا يشترى.
إن التجربة أثبتت أن كل مشروع وطني يسعى إلى ترسيخ السيادة والاستقلال يواجه مقاومة شديدة، وأن القيادات التي رفعت شعار القرار الوطني المستقل دفعت أثمانا باهظة، في ظل صراع إقليمي ودولي جعل اليمن ساحة لتصفية الحسابات أكثر من كونه وطنا لشعب يستحق الأمن والاستقرار والتنمية.
إن الرهان على الخارج لم يكن، في نظر هؤلاء، طريقا لبناء اليمن، بل وسيلة لإدامة التبعية، وإبقاء البلاد في دائرة الحاجة والضعف. ولذلك فإن استمرار بعض القوى السياسية في الارتهان للخارج لا يعد – وفق هذا التصور – مجرد خطأ سياسي، بل يمثل تفريطا بالمصلحة الوطنية وإطالة لمعاناة الشعب.
وسيظل التاريخ في النهاية هو الحكم بين الجميع. وسيكتب للأجيال من وقف إلى جانب سيادة اليمن واستقلاله، ومن جعل من الوطن ساحة للمصالح الخارجية، ومن آثر المكاسب الشخصية على كرامة الشعب. فالأوطان لا تبنى بالولاءات العابرة، ولا تصان إلا برجال يضعون مصلحة اليمن فوق كل اعتبار، ويؤمنون بأن السيادة ليست شعارا يرفع، بل مسؤولية تستحق من أجلها التضحيات.

قد يعجبك ايضا