في كتاب “الرأسمالية.. تاريخ عالمي” أشكال من العبودية والاستغلال لملايين البشر

الثورة / خليل المعلمي

لقد اغتر العالم بأنظمته وحكوماته وأحزابه ونخبه السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية عبر العقود الماضية بنظام “الرأسمالية”، واعتمدته الكثير من الحكومات الغربية وحكومات الدول النامية كمنهج في الاقتصاد والسياسة بما فيه من المزايا والعيوب دون العودة الى تاريخها ونشأتها وقوانينها أو مراجعة تنفيذها على الواقع العملي، فظهرت بذلك الطبقات الاجتماعية المتفاوتة في الدخل، فهناك الطبقة الأشد فقرا وهناك الطبقة الأكثر ثراءً وغنى.. ورافق ذلك ظهور المشاكل الاجتماعية التي أصبحت تهدد المجتمع واستقراره وأمنه.
نستعرض كتاب “الرأسمالية: تاريخ عالمي” الذي يعتبر سفراً موسوعياً ضخماً في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمه “سفين بيكرت” وهو المؤرخ الأميركي “من أصل ألماني” وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام ولد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين “السوق” و “المدفع”.
يستهل المؤلف سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150م وميناء “عدن في اليمن” نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية ویرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب، ويؤسس هذا لفكرته المركزية الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطور عبر آليات ربطت بين المنتج في أقاصي آسيا والمستهلك في أوروبا.
ينقب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفية التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً، فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ 15 والـ16 دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم، هنا يبرز دور رأسمالية الحرب بوصفها قاطرة للنمو، فالتوسع التجاري تطلب أساطيل مسلحة، وحماية حكومية وقدرة على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.
وثمة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً على سبيل المثال – عند مدينة بوتوسي في بوليفيا الحالية خلال القرن الـ 17 الميلادي، التي كانت تنتج 60 ٪ من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ”الجبل الذي يلتهم الرجال”، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.
تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة -واللاحقة- على العمل القسري، إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.83 مليون أفريقي مستعبد إلى الأمريكيتين قبل عام 1760م، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرة المواد الخام القطن والسكر والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع، وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.
يناهض الكتاب فكرة “السوق الحرة” التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية، فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور في ذلك لتوليد الثروة.
ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ”لينين النيوليبرالية”، ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية مما يعيد إنتاج نمط رأسمالية الحرب في قالب حديث، وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين “الدولة ورأس المال”، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف “وغالبيتها من النساء” لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.
ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنص، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية، عد البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذوي حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون) لم يحركهم مجرد التراكم الأعمى للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء، الثروة هنا جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.
الجانب الآخر من الانتقادات عد أنه يصور الرأسمالية على أنها “وحش” أو ذكاء اصطناعي مارق هدفه الوحيد التوسع دون نهاية، مما يغيب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله تاريخاً دون أبطال، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.
ومع ذلك، يظل كتاب “الرأسمالية.. تاريخ عالمي” عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي ينجح في زعزعة المسلمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.
وسواء اتفقنا مع رؤية “بيكرت” للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه أيضاً دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المعولم وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

قد يعجبك ايضا