مذكرات سرد ذاتي من داخل ملحمة رحلة الوفد الوطني التاريخية… شهادة حية من قلب رحلة الطائرة التي كان يفترض ألا تصل.
هناك رحلات يكتبها المسافرون بعد عودتهم…
وهناك رحلات تكتب هي أصحابها، وتبقى شاهدة عليهم أكثر مما يشهدون هم عليها.
هذه ليست حكاية رحلة جوية بين عاصمتين، وليست يوميات وفد سياسي أو إعلامي عبر المطارات والحقائب وصالات الانتظار.
هذه شهادة من داخل الساعات التي جلسنا فيها وجهاً لوجه أمام الشهادة والفداء للوطن .
اثنتا عشرة حلقة . .
واثنتا عشرة محطة بين اليقين والغيوم . .
بين وطن كان ينتظر أبناءه على الطرف الآخر من السماء، وسماء لم تكن تمنحنا أي ضمانات للوصول إليه.
كنا نعلم أن هناك من اتخذ قراره بأن هذه الطائرة يجب ألا تصل.
وأن هناك من كان مستعداً لفعل كل شيء كي لا تلامس عجلاتها أرض بلدنا .
لكننا كنا نؤمن أن بعض الرحلات لا تقودها الأبراج، ولا الخرائط، ولا حسابات السياسة.
بعض الرحلات يقودها الإيمان . .
وتمضي بها إرادة الرجال.
هذه ليست رواية سمعتها من أحد، ولا حكاية قرأتها في صحيفة أو شاهدتها في نشرة أخبار.
بل هي قصة عشت تفاصيلها دقيقة بدقيقة، وكتبت بعض سطورها وأنا أجهل إن كنت سأعود لأكملها، أم أنها ستبقى الكلمات الأخيرة التي تركتها خلفي.
ولعظمة هذه الرحلة التاريخية، ولأن بعض الأحداث لا يحق لها أن تمضي بصمت، كان علينا أن نكتبها ونوثقها لله، وللتاريخ، وللأجيال القادمة.
جزء من نص الحلقة الأخيرة :-
«ليلة الوصايا»
لم تكن ليلة سفر عادية، ولم يكن مساءً يشبه بقية المساءات التي عبرت أعمارنا.
كانت ليلة معلقة بين الأرض والسماء، بين الغياب والعودة، بين الاحتمالات كلها، وكأن الزمن توقف قليلاً ليراقب ما سيحدث.
قضينا ليلتنا الأخيرة في طهران بقلوب رجال يستعدون لامتحان كبير، وبنفوس امتلأت بالعزم واليقين.
كان الصمت سيد الغرفة، صمت له صوت مسموع، وصدى يتردد بين الجدران أكثر من أي حديث.
كان رفيقي في الغرفة لؤي الشامي يجلس أمامي ينحني فوق ورقة متوسطة الحجم يخط بقلم رصاص كلمات متفرقة ببطء وهدوء.
وكنت أنا الآخر قد عثرت في حقيبتي على دفتر صغير وقلم أسود جاف، وجلست أكتب بصمت يشبه صمته.
رفع رأسه نحوي للحظة، ثم عاد إلى الورقة.
ورفعت رأسي نحوه للحظة، ثم عدت إلى كلماتي.
ظل الصمت بيننا طويلاً، حتى انتصرت عليه الكلمات أخيراً.
سألته متردداً:
ـ ماذا تكتب؟
رفع رأسه سريعاً وأجاب دون تردد:
ـ وصيتي.
ابتسمت بهدوء، ثم رفعت الورقة أمامه ليرى ما كنت أكتبه أنا أيضاً.
كانت وصيتي كذلك.
وحين انتهيت منها قمت بتحويلها إلى ملف بصيغة PDF وأرسلتها إلى زوجتي، وأرفقتها برسالة قصيرة أوصيتها فيها ألا تفتح الملف إلا بعد أربع وعشرين ساعة.
كانت تلك الساعات الأربع والعشرون بالنسبة لنا عمراً كاملاً من الاحتمالات.
نزلت بعد ذلك إلى الأسفل، فالتقيت بالكاتب مصطفى عامر وبرسامنا العالمي كمال شرف، وكان كمال أكثر من رافقته خلال الرحلة وأكثرهم قرباً مني طوال تلك الأيام.
كان الاثنان ضمن الوفد الإعلامي المرافق للرحلة.
اقترب مني مصطفى عامر بصوته المميز والقريب للقلب صوت يحمل شيئاً من الهدوء وشيئاً من الحسم وقال :
ـ إنها ليلتنا الأخيرة… هل كتبت وصيتك؟
هززت رأسي بالإيجاب.
ابتسم ابتسامة صغيرة فهمت منها أنه لم يكن ينتظر جواباً آخر.
كان كمال شرف يستمع إلينا بصمت، ثم قال بهدوء:
ـ جميعنا فعل ذلك.
وفي تلك اللحظة شاهدنا الفنان طارق السفياني يقترب نحونا.
لم يكن كعادته يملأ المكان بالحماسة والضحكات والحضور الصاخب الذي اعتدناه منه.
وصل إلينا بخطوات هادئة وملامح يغلب عليها التفكير، ثم قال بصوت منخفض:
ـ أريد قلماً وورقة.
فهمنا جميعاً ما الذي كان يبحث عنه.
ولم يكن أحد بحاجة إلى تفسير.
كانت ليلة مختلفة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
ليلة لم نكن بحاجة فيها إلى كثير من الشرح، فقد كانت الأخبار قد وصلت إلى الجميع، وكانت الصورة قد اكتملت في الأذهان.
كانت السعودية قد رفضت، بكبريائها المعتاد السماح للطائرة بالهبوط في مطار صنعاء.
وأدركنا جميعاً أن الطريق أصبح واضحاً، وأن المهمة دخلت مرحلتها الأخيرة، وأن العودة لم تعد مجرد رحلة جوية، بل موقفاً مصيرياً .
يتبع …
Prev Post
