تمسُّك اليمنيين بمطالبهم، وخروجهم الجمعة بذاك الشكل الهادر الذي هز المواقف المتصلبة للسعودية وأمريكا؛ لم تولّده لحظة عابرة، ولم تدفع لتكوينه الغارات الغادرة على مطار صنعاء الأسبوع الماضي، وإنما جاء أولا، كنتيجة طبيعية لتراكم مظاهر المعاناة الناتجة عن استمرار العدوان والحصار.
وثانيا، لكون استمرار هذا الوضع القائم بين اللاسلم واللاحرب، بات أمرا غير مقبول، ترفضه النفوس، وتستنكره مواثيق الحقوق الإنسانية، ولم يعد المعنى منه إلا الإمعان في قهر هذا الشعب الأبي الصابر، ودفعه من خلال التضييق عليه، إلى التسليم والقبول بشروط التحالف.
والتحرك في اتجاه كسر الحصار الذي شهده مطار صنعاء الدولي، جاء في هذا الاتجاه مستندا إلى حقوق مشروعة للشعب اليمني في حرية الحركة والسفر لدواع علاجية أو دراسية والعودة؛ والاتصال بالعالم الخارجي.
في المقابل، جاء تحرك الطيران الحربي السعودي؛ غير مسؤول، وبصورة لم يتقبلها اليمنيون. إذ تمثل هدفه الاستعراضي في منع الطائرة الإيرانية التي كانت تقل يمنيين عالقين، من الهبوط في المطار، ثم أتبع ذلك بالتهديد؛ بانه لن يسمح بمثل هذا التحرك في مطار صنعاء وكسر الحصار.
النخوة والعزة والكرامة اليمنية تأبى هذا الصلف، خصوصا وأن كل مضامين خارطة الطريق التي كان يفترض أن تحقق انفراجة كبيرة في حياة اليمنيين، ظلت حبيسة الأدراج السعودية باستثناء خفض التصعيد.
وفي مسيرات جمعة (التحذير والنفير)، أعلن ملايين اليمنيين رغبتهم الجامحة في عودة الحرب لإنهاء هذه الجرأة بالتدخل في شؤون البلاد، وانتهاك السيادة الوطنية، وإجبار الشعب اليمني على تقبل الإذلال.
المستجد في التحرك اليمني؛ والذي بدأ بتفعيل مطار صنعاء، وكلمة السيد القائد التاريخية والحاسمة، ثم المسيرات المليونية العارمة، وقبل ذلك، النشاط الملحوظ للتعبئة العامة وتدريب المقاتلين؛ وكذا المناورات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة على الحدود مع السعودية، كل ذلك مثل عوامل ومظاهر واضحة؛ رأى فيها المراقبون غبار العاصفة التي ستنهي هذا التدخل السعودي الأمريكي في كل اليمن وبالطريقة التي يراها اليمنيون مناسبة لانتزاع هذه الحقوق.
الأمر بهذا الإيقاع المتصاعد -أيضا- دفع نحو حراك دبلوماسي قوي؛ ووساطة (عُمانية قطرية) لخفض أجواء التوتر. إلا أن مكانة الوسطاء المُقدَّرة، لا يمكن أن تتغلب على مصالح أربعين مليون يمني، يعيشون المعاناة منذ أكثر من (11) عاماً، خصوصا وان تعمُّد السعودية وأمريكا إبقاء الأمر على حالة الجمود القائمة، مسألة باتت تمس الكرامة الوطنية. وتقتُل فرص إحداث أي تحولات على صعيد الارتقاء بحياة اليمنيين وواقعهم.
ولا شك أن التحرك الدبلوماسي السريع؛ لم يأت لمجرد إعادة الأمور إلى ما قبل الانتهاك السعودي لسماء اليمن، وإنما لإدراك الجميع أن اليمن إذا توعد فإنه لا يناور؛ وإنما يعطي العدو فرصة لتحكيم عقله وضميره كي يرفع يده نهائيا عن اليمن.
وإلى ذلك، هناك قناعة لدى الوسطاء وكل العالم بأن اليمن بات يمتلك من الأسلحة ما يمكن أن يحوّل به وعيده وتهديده إلى فعل، وقبل ذلك قوة اتصاله وثقته بالله سبحانه وتعالى.
