الثورة / يحيى الربيعي
أشعلت الحماقة الأمريكية الأخيرة ومغامراتها غير المحسوبة في المنطقة شرارة فتيل أزمة هيكلية مرعبة عصفت بأركان الاقتصاد الإمبراطوري لواشنطن، مكرسةً واقعاً جديداً من التخبط والفشل الاستراتيجي. هذا التداعي السريع لأسس الهيمنة المالية عكسته بدقة عقارب بورصات نيويورك وول ستريت، حيث تحولت صالات التداول إلى ساحات ذعر جماعي فور إعلان الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب انتهاء الهدنة. وسرعان ما تُرجم هذا الصلف السياسي إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة؛ إذ وثقت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية ارتدادات هذا القرار الصادم، مشيرةً إلى قفز العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 5.2 % لتستقر عند 78.02 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى ارتفاع يومي لها منذ شهر مايو، بالتزامن مع صعود العقود الآجلة للنفط الأمريكي بنسبة 4.4 %.
الاختناق الجيوسياسي
هذا الالتهاب في أسعار الوقود العالمية جاء نتيجة مباشرة لقرار وزارة الخزانة الأمريكية الغاشم بإلغاء الإعفاء الذي كان يسمح للجمهورية الإسلامية الإيرانية ببيع نفطها، في محاولة يائسة لفرض معادلات قسرية، إلا أنها ارتدت سريعاً لتخنق آمال المستثمرين الدوليين الذين راهنوا على تهدئة أسواق الطاقة لخفض معدلات التضخم العالمية. وامتداداً لهذا التخبط، جاءت شهادة محللي بنك «سوسيتيه جنرال» لتلخص الحالة المأساوية للمزاج الاستثماري العالمي بعبارة تفيض بالتشاؤم والانكسار: «ها نحن نبدأ من جديد»، محذرين من أن النهاية المتفجرة لوقف إطلاق النار ستعيد فتح التصدعات الغائرة في سوق النفط وتجهض كل جهود كبح التضخم. وفي سياق متصل، أقر رئيس قسم أسهم الموارد الطبيعية في شركة «كوهين آند ستيرز»، تايلر روزنليخت، بحجم الضياع الذي يكتنف الموقف بقوله: «من الصعب حقاً أن تكون واثقاً من أي شيء اليوم»، وذلك بعد أن تبخرت «تجارة السلام» التي بنيت عليها أوهام الاستقرار الغربي.
هذا الانحدار الحاد، تجسد عملياً على شاشات التداول التي صبغت باللون الأحمر؛ حيث هوى مؤشر «داو جونز» الصناعي بنحو 577 نقطة (أي بنسبة 1.1 %) مدفوعاً بالانهيار المباشر لأسهم كبريات الشركات الأمريكية الحيوية مثل «أميركان إكسبريس»، و»شيروين-ويليامز»، و»بوينغ»، ليلحق به مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» متراجعاً بنسبة 0.3 %، في الوقت الذي ضربت فيه موجة الهبوط العنيف المؤشرات الآسيوية والأوروبية في اليابان وكوريا الجنوبية كأكبر المستوردين للطاقة في العالم.
شلل الملاحة في هرمز
تثبت الوقائع الميدانية المتلاحقة أن الردع الاستراتيجي قد فرض كلمته العليا في الميدان، محولاً الخطط الأمريكية إلى عبء ثقيل على صانع القرار في واشنطن. وتأكيداً لهذا العجز، كشف خورخي ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة «ريستاد إنرجي»، عن حقيقة دامغة تتمثل في التوقف الفعلي لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، موضحاً أن هذا الانقطاع يعكس بدقة مستوى إدراك المخاطر الحقيقي في العمق الاستثماري للسوق، بعيداً عن البروباغندا والتصريحات الإعلامية الجوفاء التي تروجها واشنطن لطمأنه حلفائها.
هذا الشلل التام في شريان الطاقة العالمي تزامَن مع تصاعد حدة الأزمات البنيوية في سوق الوقود، إثر الضربات الأوكرانية التي استهدفت المصافي الروسية؛ حيث قفزت العقود الآجلة للديزل الأمريكي بنسبة 11 % في أعقاب إعلان الكرملين حظراً قصيراً على الصادرات، لتبلغ نسبة ارتفاعها الإجمالية منذ مطلع العام الحالي 2026م نحو 72 %. ولم يكن البنزين بأفضل حالاً، إذ سجلت عقوده الآجلة ارتفاعاً قياسياً ناهز 82 % خلال العام نفسه، مما شكل كماشة ضاغطة وخانقة على مداخيل المواطنين الأمريكيين، ودفعت بالمنظومة الاقتصادية لولايات المتحدة بأكملها نحو مستنقع الركود التضخمي المستعصي على الحل.
استنزاف السندات وفقاعة التكنولوجيا المهددة بالانفجار
في المقابل، تمددت شظايا هذا التدمير الذاتي لتضرب بعمق أسواق السندات والسياسات النقدية، واضعةً مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في مأزق بنيوي وتاريخي غير مسبوق. وردّاً على حماقة الإدارة السياسية، سارع متداولو السندات إلى عمليات بيع واسعة النطاق لسندات الخزانة الأمريكية، مما دفع بعائد السندات لأجل عشر سنوات إلى القفز نحو 4.567 % وهو المستوى الأعلى له منذ مايو، بالتزامن مع ارتفاع عائد السندات لأجل عامين المرتبط مباشرة بقرارات الفائدة إلى ثاني أعلى مستوى له هذا العام. هذه المعطيات المتشابكة وضعت أسواق العقود الآجلة أمام حتمية ترجيح احتمال يتجاوز 80 % بأن يضطر البنك المركزي الأمريكي لرفع أسعار الفائدة مجدداً قبل نهاية العام الحالي، وهو ما يعني عملياً تقويض خططه الطويلة لمحاربة التضخم وإطلاق رصاصة الرحمة على النمو الاقتصادي المترنح أصلاً.
وتكشف محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الصادرة حديثاً عن ملامح هذا العجز والارتباك الداخلي؛ إذ أقر المسؤولون فيه بأن «التضخم ظل مرتفعاً وواصل الصعود»، مدفوعاً بالارتفاع المتواصل في أسعار النفط وتكاليف الرسوم الجمركية الباهظة، ناهيك عن الزيادة الهائلة في الطلب على المواد والعمالة المرتبطة بالمشروعات الوطنية لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وأمام هذا الواقع، يقف الفيدرالي اليوم مشلولاً وعاجزاً عن المناورة؛ فالهرب نحو رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم الناتج عن حرب الطاقة سيتسبب حتماً في رفع كلفة الاقتراض على غيلان التكنولوجيا العملاقة مثل «أمازون» و«أوراكل»، والتي باتت تمول استثماراتها الضخمة عبر ديون بمليارات الدولارات، مما يهدد بتفجير فقاعة التكنولوجيا وانهيار أسهمها بشكل كارثي في الأسواق المالية.
وهذا العجز الفاضح للمؤسسة النقدية الأمريكية اختصره كبير مسؤولي الاستثمار في «نورث وسترن ميوتشوال لإدارة الثروات»، برنت شوت، بتصريح حاد وجازم يعري الواقع قائلاً: «يقول الناس إن السوق أصبح الآن أكبر من أن يفشل. ربما يكون ذلك صحيحاً. ولهذا السبب لدي تساؤلات بشأن ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيفعل ما هو ضروري لخفض التضخم». لتجد واشنطن نفسها محاصرة بشكل لا فكاك منه بين نارين كلاهما مر: إما ترك التضخم يلتهم ما تبقى من القوة الشرائية المنهارة للأمريكيين، أو رفع الفائدة وتدمير قطاع التكنولوجيا الذي يشكل العمود الفقري لاقتصادها الحديث.
السقوط الأخلاقي والسياسي للمقامرة الأمريكية
ولم تقتصر ارتدادات الفشل الأمريكي على الجوانب العسكرية والمالية، بل ترافقت مع موجة عارمة من العزلة الدولية والإدانات الأممية التي فضحت الكلفة البشرية الباهظة لهذه المقامرة الطائشة. وفي هذا السياق، أصدرت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة بياناً حاد اللهجة أدان الهجمات المتهورة التي تعوق حركة الملاحة وتعطل جهود الإغاثة والإجلاء في المنطقة. وأعلن الأمين العام للمنظمة، أرسينيو دومينغيز، أن حوالي 6000 بحار ما زالوا عالقين ومحاصرين في السفن حول مضيق هرمز، مستنكراً الصلف الأمريكي بعبارات قاطعة: «لقد عرّضت هذه الهجمات المتهورة البحارة الأبرياء مرة أخرى لخطر جسيم. لا ينبغي لأي بحار أن يخاطر بحياته لمجرد قيامه بعملة».
وأوضح دومينغيز أن هذه الأرقام المرعبة تكشف عن مأساة إنسانية يتحمل كلفتها البحارة وعائلاتهم، كاشفاً عن فقدان عدد كبير جداً من البحارة لحياتهم بشكل مأساوي في سياق هذا الصراع الممتد الذي أشعلته غطرسة واشنطن. وتكتسب هذه الإدانة الدولية الصريحة أبعاداً استراتيجية بالغة الخطورة بالنظر إلى أن اقتصاد التجارة البحرية العالمية يعتمد بشكل حيوي على نحو مليوني بحار، ينتمي معظمهم إلى دول آسيوية رئيسية مثل الهند والفلبين.
إن زج هؤلاء العمال وعائلاتهم في فوهة المدفع بفعل الصلف والاستهتار الأمريكي لم يساهم سوى في تعميق عزلة واشنطن الدولية، وقلب القوى الاقتصادية الصاعدة في القارة الآسيوية ضد السياسات الأمريكية برمتها. لتؤكد المحصلة النهائية للأحداث أن قرار ترامب بإنهاء التفاوض وإشعال الصراع لم يكن سوى انتحار استراتيجي قاد الولايات المتحدة الأمريكية، في نهاية المطاف، إلى حصد ثلاثية الفشل: عجز عسكري ميداني، وانهيار اقتصادي داخلي، وإدانة أخلاقية وسياسية شاملة أمام العالم أجمع.
