(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
لقد زيَّن الله النفوس بمكارم الأخلاق، ورفع أهل الفضائل إلى أعلى الطباق، وجعل التعاون على البر والتقوى من أوثق العرى وأعظم أسباب الاجتماع، فهذَّب الطباع، وأقام ميزان العدل والإحسان. {وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ، أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ}.
فمن المعلوم لكل ذي عقل سليم، وخلق مستقيم إن الإيثار من أنفس الفضائل، وأشرف الخلال، وأرفع منازل الكمال، به تسمو الأرواح عن شُحِّها، وتطهر النفوس من أهوائها، وتنعقد بين الناس أسباب المحبة والوفاء، ويأمن بعضهم بعضاً على الدماء والأموال والأعراض، فيغدو المجتمع كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً. ولقد كان لأنصار رسول الله من أبناء اليمن قصب السبق في ذلك، وليس الإيثار أن يبذل المرء فضل ماله فحسب، بل حقيقته أن يقدم مصلحة الجماعة على هوى النفس، وحق الأمة على رغبة الفرد، وأن يجعل الإنسان نفسه جسرًا تعبر عليه مصالح الناس، لا سلمًا يرتقي به إلى حظوظ الدنيا. والمؤمل أن يعود أبناء اليمن إلى سابق عهدهم، وعريق مجدهم، ليكونوا أسوة لغيرهم، فمن شرد منهم عاد بلغة الإيثار إلى أصله. محتسباً للأجر والثواب.
فالإيثار من دلائل صدق الإيمان، حتى قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- عليه السلام- «الإيثار أعلى الإيمان». إذ لا يبلغ العبد هذه المرتبة حتى يغلب داعي الإيمان على داعي الشهوة، ويقهر حب الذات بحب الخير لعباد الله، ولإخوته ولأبناء شعبه ومجتمعه.
فقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في هذا الخلق الكريم، فآثروا إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، مع ما كانوا يجدونه من الحاجة والخصاصة، فخلد الله ذكرهم في كتابه، وجعل ثناءه عليهم يتلى إلى يوم القيامة، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فما ارتفعت دولة تسمو مكانتها بالعدل إلا على أكتاف رجال آثروا المصلحة العامة على مآربهم الخاصة، ولا سقطت أمة إلا حين غلبت الأثرة على الإيثار، والاستبداد على الشورى، وحب السلطان على إقامة العدل. وهاهم أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة يسيرون على درب أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وما أحوج رجال السياسة، وأرباب الولايات، وأهل القيادة والإدارة في كل زمان ومكان إلى أن يجعلوا الإيثار دستوراً في الحكم، فإن الزعماء الذين يؤثرون أخوتهم ومجتمعهم على أنفسهم، ويجعلون راحة الناس واستقامتهم غايتهم، يملكون القلوب وتدين لهم البلاد، ويدوم لهم المحبة والوداد، ويخلد ذكرهم بحسن الأثر بين العباد.
ولذلك قرن الله تعالى بين الشورى والإنفاق، فالشورى تقتل الاستبداد، والإيثار يميت الأنانية، وإذا اجتمعا قامت دولة يسودها العدل، ويأمن فيها الضعيف، ويطمئن إليها القوي، ويتنافس أهلها في الفضائل لا في المطامع. ترى فهل يرى العالم من اجتذبتهم دول أجنبية تحت شعار مسمى الشرعية إلى حضن وطنهم، ومحبة مصالح شعبهم وأمتهم، فبذلك يدرك الصواب، ويجنبون أنفسهم واخوتهم العنت والعذاب، ويفوتون على من يريد التغلب على وطنهم وثرواتهم مآربه البعاد.
أما إذا غلب حب الذات، واستولى الحرص على النفوس، وصار كل امرئ يطلب لنفسه الشرف دون غيره، والمنصب دون سواه، والمال دون أمته، انفرط عقد الجماعة، وتفرقت الكلمة، لأن الله لا يبارك في سلطان يقوم على الأثرة، ومصاحبة الصهيونية للاعتداء على العباد، ولا في مجتمع تبنيه الأنانية، ومؤاثرة الدنيا على الأخرى. ولهذا يقول: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، فالحياة فانية وكل من عليها فان:
طَوَى المَوتُ الأَحِبَّةَ بَعْدَ عِزٍّ
فَمَا تَرَكُوا لِمَنْ يَبقى عِتَابَا
تَمُرُّ بِكَ اللَّيَالِي مُسْرِعَاتٍ
وَتَسْلُبُكَ الشَّبَابَ وَمَا أَنَابَا
وَمَا هَذِي الحَيَاةُ سِوَى سَرَابٍ
يَظُنُّ الجَاهِلُونَ بِهِ شَرَابَا
تُرِيكَ مِنَ المَبَاهِجِ كُلَّ حُسْنٍ
وَتُخْفِي فِي مَنَافِعِهَا الذِّئَابَا
فَلا تَأْمَنْ لِدُنْيَا فاضَ فيها
عُهُودَ الغَدْرِ إِذْ لَبِسَتْ جِلَابَا
أَرَى الإِنْسَانَ يَجْمَعُ كُلَّ مَالٍ
وَيَرْحَلُ عَنْ مَسَاكِنِهِ غِيَابَا
وَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِي القَبْرِ خِلٌّ
سِوَى مَا كان من عمل صوابا
عَجِبْتُ لِمَنْ يَبِيعُ الرُّوحَ فِيهَا
لِيَجْنِيَ مِنْ مَكَاسِبِهَا العَذَابَا
فالإيثار حياة للقلوب، والأثرة موت لها، والإيثار يجمع، والأثرة تفرق، والإيثار يبني الحضارات، والأثرة تهدمها، والإيثار يورث المحبة، والأثرة تزرع الضغائن.
وما أحسن أن يتنافس الناس في الإحسان بدل التنافس في الجاه، وأن يتسابقوا إلى خدمة أوطانهم بدل التسابق إلى حظوظ أنفسهم وخراب ديار شعبهم ومجتمعهم واخوانهم، فإن الذكر الجميل أبقى من المال، والأثر الصالح أعظم من السلطان، وكل جاه يزول، وكل ملك يفنى، ولا يبقى للعبد إلا ما قدم من خير، وأنصار الله ممن يجنحون إلى ذلك، وفي تقلب الزمان عبرة لمن أعتبر، وآية لمن ادكر.
أَلا إِنَّ الزَّمانَ لَهُ انقِضـاءٌ
وَكُلُّ مُشَيَّدٍ يَومًا خَرابا
وَكَمْ رَفَعَتْ يَداهُ أُنـاسَ عِـزٍّ
فَلَمْ تَلبَثْ فَرَدَّتْهُمْ تُرابا
تُدِيرُ الكَأسَ بَينَ النّاسِ دَهرًا
وَلا تَرضَى لِشارِبِها ثَوابا
وَما الدُّنيا سِوى ظِلٍّ مزال
فَكَمْ أَضحى المشيد بها يَبابا
فمن أراد رفعة الذكر، وطول الأثر، وبقاء المحبة بعد الرحيل، فليلزم الإيثار، وليجعل مصلحة الأمة نصب عينيه، فإن الرجال تعرف بآثارها، والدول تعرف بعدلها، والأمم تعرف بأخلاقها.
ولقد صدق الحكماء حين قالوا: إن بناء الإنسان مقدم على بناء العمران؛ لأن القصور لا تحفظ الدول إذا انهارت الأخلاق، ولا تغني كثرة الأموال إذا ضاعت المروءة، وإنما تبقى الأمم ببقاء الفضائل، وتدوم الحضارات بدوام العدل والإيثار.
أَلا إِنَّ اللَّيالي مُرهَقاتٌ
تُقَلِّبُ في الوَرَى حِقَبًا وَبابا
تُصَرِّفُهُم عَلَى حُكْمِ المَنَايَا
وَتَطوِي بَعدَ زَهوِهِمُ الشَّبابا
وَكَمْ شَادَتْ لِذِي الدُّنيَا قُصُورًا
فَأَصبَحَ بَعدَ ما شادت تُرابا
تُرَاوِدُ كُلَّ ذِي أَمَلٍ بِوَعْدٍ
وَتُضْمِرُ تَحتَ أَثْواب عقابا
إِذَا ضَحِكَتْ لِعَاشِقِهَا صَبَاحًا
سَقَتْهُ مَعَ المَسَاءِ لَهُ عَذابا
فَلَا تَغتَرِرْ بِبَهجَتِهَا فَإِنِّي
رَأَيْتُ الضَّحْكَ يَعْقُبُهُ انْتِحَابا
وَإِنَّ المَجْدَ لَا يُعْطَى ادِّعَاءً
وَلَكِنْ بِالجِهَادِ يُرَى مُهَابَا
وَمَنْ جَعَلَ الإِلَهَ لَهُ وَلِيًّا
رَأَى فِي كُلِّ مُعْضِلَةٍ صَوَابَا
وَمَا الأَيَّامُ إِلَّا مُسْتَعَارٌ
يُرَدُّ إِلَى المَلِيكِ إِذَا اسْتُطَابَا
فَطُوبَى لِامْرِئٍ أَحْيَا يَقِينًا
وَبَاعَ اللهَوَ مشْتَري الثَّوَابَا
الإيثار مقابل الأثرة.. معركة البقاء الأخلاقي في ميدان الحكم
إن أعظم الآفات التي تُهدد الكيانات السياسية وتُعجل بهلاك المجتمعات هي آفة “الأثرة والاستبداد”؛ حيث ينكفئ القائد على ذاته، أو يسعى في سبيل ذلك مع دول اجنبية لجمع المال والجاه والسلطان لنفسه وحاشيته، غير مكترث بما أصاب شعبه وأهله من ضنك وشدة وحصار، ظاناً أن هذا هو سبيل النجاح. بيد أن التاريخ والقرآن الكريم يصححان هذا الوهم الخطير؛ فالاستبداد عاقبته البوار، ومصير صاحبه كمصير من ذمهم الله سبحانه وتعالى بقوله: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
وعلى النقيض من ذلك، يتجلى الإيثار كأعلى مراتب الإيمان -كما وصفه الإمام علي عليه السلام-. وفي سياق الحكم والقيادة، لا يعني الإيثار التنازل عن المسؤولية، بل يعني:
- تضحية المسؤول براحته في سبيل رعيته.
- تقديم المصلحة العليا للأمة على المنافع الشخصية والحزبية الضيقة.
- كبح جماح النفس وغرور السلطة تطلعاً لثوابٍ أجزَل وذكرٍ أخلَد.
من يمن الإيمان إلى بناء دولة الشورى: النموذج التاريخي المُلهِم
حينما أراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تأسيس الدولة الإسلامية الأولى، لم يُقمها على عصبيةٍ أو قهر، وإنما أقامها على خطةٍ أخلاقية تمازجت فيها الأرواح وتصافحت القلوب.
وكان أبطال هذه الملحمة هم الأنصار -أبناء يمن الإيمان والحكمة والمودة والرحمة- الذين ضربوا للإنسانية أروع أمثلة الإيثار القائم على الود الصريح والفهم الصحيح.
لقد خَلّد القرآن الكريم صنيعهم هذا ليكون منهجاً سياسياً واجتماعياً عابراً للعصور، فقال عز وجل: {وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}.
وارتبط هذا الإيثار بركنٍ سياسي مكين، وهو الشورى؛ فالدولة الراشدة لا تستقيم إلا بنفقةِ المالِ والجهد، ومشاركة الرأي بعيداً عن التعالي والغرور، والاستعلاء بالغير، فذلك هو الغرور.
إذا أراد رجال السياسة والقيادة في عصرنا هذا إقامة دولة فاضلة، يطول عمرها في الخير، وترتفع مكانة أبنائها، فإن عليهم تمثّل الإيثار عبر الخطوات التالية:
- المناصحة والمحبة: إرساء ثقافة الحوار البنّاء والابتعاد عن الإساءة المتبادلة، والتعامل مع أفراد المجتمع كشركاء في البناء لا كأدوات للتنفيذ.
- العطاء بلا امتنان: أن تكون صنائع الخير وسياسات التنمية متعرية عن المنّ والأذى، فقائد المسيرة القرآنية يرى في خدمة شعبه واجباً وشرفاً، لا فضلاً وتكرماً. فعلى الجميع الانطواء تحت رايته، والابتعاد عن كل من يضمر لليمن شرا ويسعى لحربه، والأخذ بالمبادئ الآتية:
- محاربة الشح النفسي والمؤسسي: صيانة النزاهة وحماية مقدرات الأمة من النهب والنرجسية السياسية، فمن وُقِيَ شُحّ نفسه، وُقِيَت دولته عوامل السقوط.
- التعاون على البر والتقوى: نبذ التنازع الباغي، وجمع الكلمة، والاعتصام بحبل الله، فما اتحدت كلمة أمة إلا وعلا شأنها وقرُب نصرها؛ إلا بالتعاون على البر والتقوى.
المآثر الباقية والزاد الحقيقي
إن الأيام -كما نطقت الأبيات- “مُرهِقات تُقلب في الورى حقباً وبابا”، ومصير كل مُشيّدٍ إلى خراب إن لم يُعمَر بحقّ. وحين تُوارى الجسوم التراب، لا ينفع القائدَ جاهُه ولا سلطانُه، وإنما ينفعه ما ترك من مآثر بيضاء، وعدالةٍ أرساها، ومجتمعٍ فاضلٍ بناه على الحب والإخاء والتعاون.
فطوبى لمن حسنت نيته، وصلح عمله، وكثرت في الخير رغبته، فجعل الإيثار زادَه، والتقوى لواءَه؛ فحينها فقط يخلد الله ذكره في الدنيا، ويُجزل له الثواب في الآخرة، وتتحقق على يديه سعادة الرئيس والمرؤوس على حدٍّ سواء. {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
