يسجل التاريخ أحداثه ووقائعه في صفحتين متقابلتين؛ إحداهما عكس الأُخرى تمامًا، تبعًا لطبيعة المواقف والاتّجاهات التي تتشكل في حياة الأمم والشعوب.
كما تحتفظ ذاكرة الزمن بنماذج متعددة من البشر؛ فمنهم من يجسد الخير في أسمى مراتبه، ومنهم من يتمثل الشر في أدنى مستوياته.
ولكلٍ طريقه الذي اختاره، ونهجه الذي يسلكه، ومبدؤه الذي يؤمن به، ودينه الذي يعتنقه، وربه الذي يعبده.
وتتناقل الأجيال هذه المفاهيم والرؤى، فيجد كُـلّ جيل قدوته وأسوة يقتدي بها ويتبعها.
فحين تسمو النفوس بطهارتها، وترتقي الأرواح بصفائها، ويقدس الإنسان منهجه ويستنير ببصيرة الولاء والاقتدَاء، تكون هناك نفوس مطمئنة تمضي في طريقها بثبات، لا يهم أصحابها أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم.
يمضون أعزاء شامخين، يعانقون السماء بسمو أخلاقهم وكرم صفاتهم وعظمة مبادئهم.
وعلى النقيض من ذلك، قد تسقط النفوس في مستنقعات الحقد والحسد والإجرام، فتتلطخ أياديهم الآثمة بسفك دماء الطاهرين والصالحين.
لقد أُصيب إبليس بالغرور فانحرف عن الطريق، وأصبح ملعونًا مطرودًا، ثم نصب نفسه قائدًا لمن ساروا على هواه، معاديًا لمن أكرمهم الله بنور الهداية وبصيرة الاتباع.
وقد سجل التاريخ في صفحاته السوداء أن اليهود كانوا أول من نفذ إملاءات الشيطان بمحاربة وقتل أنبيائهم، انتصارا لكبرهم وغرورهم، فأصبحوا يمثلون الوجه الآخر واليد الآثمة لإبليس الرجيم.
ثم جاءت رحمة الله بهذه الأُمَّــة، فأرسل إليها البشير النذير وآل بيته هداةً للأُمَّـة، فاستنفر إبليس اليهود لتجنيد بني أمية ومن سار على نهجهم، ليقوموا بالدور ذاته الذي قام به اليهود مع أنبيائهم والصالحين منهم.
ولأن التاريخ وثّق بعد عصر النبوة انحرافات خطيرة وعواصف كبرى هزت الأُمَّــة، فقد نتج عنها أمر بالغ الخطورة تمثل في وصول شخص فاسد مجرم وطاغية إلى سدة الحكم وموقع القرار، يحمل حقد أسلافه الذين مهدوا له الطريق، وكانوا سببًا في تسلطه على رقاب المسلمين باسم الإسلام والخلافة.
فكان يزيد بن معاوية، شارب الخمر وجليس القرود، أميرًا وسلطانًا على أُمَّـة القرآن، يسومها سوء العذاب.
ومن هنا جاء تحَرّك الإمام الحسين -عليه السلام-، من موقع المسؤولية الملقاة على عاتقه بوصفه قرين القرآن، لتصحيح مسار الأُمَّــة والحفاظ على معالم الدين من التشويه والاندثار.
لقد تحَرّك الإمام الحسين دفاعًا عن القرآن والرسول والرسالة والأمة؛ إذ كان يزيد أكثر طيشًا وجنونًا وعربدة من آبائه، فنهض الإمام حفاظًا على هُوية الأُمَّــة وكيانها الرسالي من عبث يزيد وأفكاره الضالة وتصرفاته الدنيئة وقراراته الظالمة وبطشه بالناس.
كما تحَرّك دفاعًا عن القرآن الكريم الذي طالما استخف يزيد بآياته وبيناته في أكثر من موقف ومقام.
تحَرّك إمام الوعي والبصيرة، عن وعي كامل وقناعة راسخة، مستندًا إلى آيات الله وإرثه الإيماني، متوشحًا بعزة الله، شامخًا كريمًا، يصدح في وجه الطاغوت وأعوانه بأن يزيد فاسق فاجر، شارب للخمر، قاتل للنفس المحرمة.
وعن يقين راسخ وثورة من الوعي والبصيرة والتضحية، أعلن الحسين -عليه السلام- كلمته الخالدة: «مثلي لا يبايع مثله».
إنه تاريخ منقوش بأحرف من نور على جبين الزمن، كتبه الإمام الحسين -عليه السلام- بدمه الزاكي، وعمده بدماء أهل بيته ونسائه وأطفاله الطاهرين، ليؤسس بذلك ثورة خالدة ومنهجًا راسخًا في نفوس الأحرار الذين يكفرون بالجبت والطاغوت ويؤمنون بالله وحده، صاحب العزة ومصدرها.
ومن هنا أصبح الإمام الحسين رمزًا للحرية التي أرادها الله لعباده، وإمامًا لكل صادق في إيمانه، ومنارًا للإنسانية جمعاء، ومنه يقتبس الأحرار شعلة الفجر لينالوا الكرامة.
فكل من يعشق الحق والحرية، ويعتز بانتمائه الإيماني والإنساني، يجد في الإمام الحسين قائدًا وقُدوة، لأن مثله لا يبايع مثل يزيد، وما أكثر أشباه يزيد في كُـلّ زمان.
لقد وضع يزيد الإمام الحسين بين خيارَين: السِّلة أَو الذِّلة؛ بين الموت تحت حَــدّ السيف أَو البيعة ليزيد الفاجر، بما تمثله من خضوع وخنوع وانكسار.
غير أن الخيار الذي لا يفهمه الطغاة ولا يدركون معانيه ولا يحبذونه هو شعار الحسين الخالد: «هيهات منا الذلة».
إنه خيار العزة والكرامة والانتصار، لأنه يجسد مجموع المبادئ والقيم والأخلاق والمواقف التي يقدمها الإنسان في حياته لله تعالى، قربانًا وتضحيةً؛ مِن أجلِ الغاية التي خلقه الله؛ مِن أجلِها.
واليوم يسجل التاريخ أن الشعب اليمني، في مظلوميته، ينطلق من المنطلقات نفسها التي انطلق منها الإمام الحسين -عليه السلام-، وعلى الثوابت ذاتها التي استند إليها، وعلى المنهج نفسه الذي سار عليه.
ومن منطلق الاقتدَاء به في عزمه وسموه وثباته وتضحيته، يتجلى أن خيار الخروج لمواجهة طغاة هذا العصر، المتمثلين في آل سعود ومن خلفهم يهود البيت الأبيض، هو الخيار الصحيح والضامن الوحيد لعزة الأُمَّــة وكرامتها وحريتها واستقلالها.
فالحصار الذي فرضه جيش الطاغية يزيد على الإمام الحسين وأهل بيته في كربلاء، هو ذات الحصار الذي تفرضه السعوديّة على الشعب اليمني، لأن الطغاة يتشابهون في أساليبهم وغاياتهم، كما أن الأحرار في كُـلّ زمان ومكان يلتقون على الشعار والموقف ذاته: «هيهات منا الذلة».
وهو الشعار الذي يؤكّـد أن العزة والكرامة هما أَسَاس معركة المبادئ والقيم، وصمام الأمان للحفاظ على الهُوية والانتماء، وهما المبدآن اللذان يفتقدهما الطغاة على مر العصور.
