لم يعد التعليـم في اليمـن مجرد شأن إداري تديره الوزارة أو مكاتب التربية، بل أصبح قضية وطنية جامعة، تتداخل فيها مسؤولية الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والأسرة والمعلم والطالب. ومن هذا المنطلق حمل اللقاء الموسع للقيادات المحلية والتربوية في أمانة العاصمة صنعاء، لتدشين العام الدراسي 1448هـ تحت شعار “التعليم مسؤولية الجميع”، دلالة أوسع من كونه فعالية افتتاحية؛ فهو إعلان واضح بأن التعليم في هذه المرحلة لم يعد يحتمل العمل المنفرد أو المعالجات الجزئية.
ما ورد في اللقاء التربوي الموسع لقيادات التربية والتعليم والسلطة المحلية أثناء تدشين العام الدراسي الجديد 1448هـ يكشف أن التحدي التعليمي القائم ليس تحدياً مدرسياً فقط، بل تحدٍّ مجتمعي شامل. فالمدرسة لا تستطيع وحدها أن تنهض بأعباء التعليم في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، والمعلم لا يستطيع أن يؤدي رسالته كاملة إذا تُرك وحيداً في الميدان، والإدارة التربوية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون إسناد محلي ومجتمعي حقيقي.
حديث وزير التربية والتعليم والبحث العلمي عن ضرورة توحيد الجهود الرسمية والشعبية والمبادرات المجتمعية والقطاع الخاص يعكس جوهر المرحلة: التعليم يحتاج إلى تحالف واسع، لا إلى شعارات موسمية. فنجاح العام الدراسي لا يقاس فقط بفتح المدارس، بل بقدرة الجميع على ضمان استمرار التعليم، انتظام الطلاب، استقرار المعلمين، توفير الاحتياجات، ومعالجة الإشكالات الميدانية بروح مسؤولة.
ومن الزوايا المهمة التي تستحق التوقف عندها دعوة الوزير إلى مراعاة الظروف المعيشية للمواطنين. هذه النقطة بالذات تحمل بعداً تربوياً وإنسانياً بالغ الأهمية، لأن أي سياسة تعليمية لا تراعي واقع الأسرة اليمنية ستكون ناقصة الأثر. فالرسوم، والمستلزمات، والنقل، والزي، والاحتياجات المدرسية، كلها قضايا تمس قدرة الطالب على الوصول إلى مقعد الدراسة. ومن هنا يصبح التخفيف عن المواطنين جزءاً من حماية التعليم، لا مجرد إجراء اجتماعي عابر.
كما أن تأكيد أمين العاصمة على دور المعلمين وصمودهم يضع المعلم في موقعه الصحيح بوصفه الركيزة الأساسية للعملية التعليمية. غير أن تقدير المعلم لا ينبغي أن يبقى في حدود الإشادة الخطابية، بل يجب أن يتحول إلى برامج دعم واضحة، تبدأ من تحسين بيئة العمل، وتنظيم التدريب، وتوفير الحوافز، وحماية مكانته المهنية والاجتماعية، وصولاً إلى إشراكه في صناعة القرار التربوي.
اللقاء أشار كذلك إلى أهمية دراسة الواقع الميداني وبناء الخطط على أساسه، وهذه من أهم النقاط الإدارية في النص. فالخطط التعليمية الناجحة لا تُبنى من المكاتب فقط، بل من بيانات المدارس، واحتياجات الطلاب، وواقع المعلمين، والفجوات في الأداء، ومستوى توفر الكتاب، والكادر، والمبنى، والبيئة المدرسية. وكل خطة لا تبدأ من تشخيص ميداني دقيق ستظل عرضة للتعثر مهما كانت صياغتها قوية.
أما الحديث عن الهوية الإيمانية ودور المنهج، فيعكس توجهاً نحو ربط التعليم بالقيم والسلوك والوعي. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية في أن لا يقتصر دورها على نقل المعرفة، بل أن تسهم في بناء شخصية الطالب أخلاقياً ووطنياً واجتماعياً، مع الحفاظ على جودة التعليم ومهارات التفكير والفهم والتحصيل.
ومن أبرز ما جاء في اللقاء الدعوة إلى تفعيل مجالس الآباء. وهذه نقطة محورية؛ لأن العلاقة بين المدرسة والأسرة ما تزال في كثير من الأحيان علاقة موسمية أو شكلية، بينما المطلوب أن تتحول مجالس الآباء إلى أداة متابعة ومساندة وتقييم، تساهم في حل مشكلات الغياب، ودعم الطلاب المتعثرين، وتحسين البيئة المدرسية، وتعزيز الانضباط، وحشد الدعم المجتمعي.
إن شعار “التعليم مسؤولية الجميع” لا ينبغي أن يبقى لافتة مرفوعة في بداية العام الدراسي، بل يجب أن يتحول إلى برنامج عمل واضح: السلطة المحلية توفر الإسناد، مكاتب التربية تتابع وتقيّم، إدارات المدارس تنظم وتنفذ، المعلمون يبدعون ويصبرون، أولياء الأمور يساندون ويتابعون، والقطاع الخاص والمبادرات المجتمعية تدعم وتشارك.
التعليم اليوم في اليمن لا يحتاج إلى وعود عامة بقدر ما يحتاج إلى شراكة حقيقية، وخطط قابلة للتنفيذ، وقياس دوري للأداء، ومساءلة تربوية، ودعم مباشر للمدرسة والمعلم والطالب. وإذا نجحت أمانة العاصمة في تحويل هذا اللقاء إلى إجراءات ميدانية ملموسة، فإن تدشين العام الدراسي 1448هـ يمكن أن يكون بداية لمرحلة أكثر تنظيماً وفاعلية في إدارة التعليم.
الخلاصة أن المدرسة ليست مبنى فقط، والمعلم ليس موظفاً عادياً، والطالب ليس رقماً في كشف الحضور. التعليم مشروع بقاء وبناء ووعي، وحين يؤمن الجميع أن حمايته مسؤولية مشتركة، تصبح المدرسة جبهة تنمية، وميدان وعي، ومصنعاً حقيقياً لمستقبل اليمن.
