من عاشوراء إلى ميادين الصمود.. اليمن يجدد العهد مع الحسين ويؤكد المضي في معركة التحرير

الثورة نت | ناصر محمد

في كل عام، ومع حلول العاشر من محرم، تتجدد في وجدان الأمة الإسلامية ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، كونها محطة خالدة لاستلهام قيم العزة والحرية ورفض الظلم والطغيان.

وفي عاشوراء 1448هـ، تجسدت هذه القيم في اليمن بمشهد جماهيري واسع، حيث تحولت الذكرى من استذكار لواقعة كربلاء إلى تجديد عملي للعهد بالسير على نهج الإمام الحسين، وترسيخ شعار “هيهات منا الذلة” عنواناً لمسيرة الصمود والتحرر والدفاع عن السيادة.

وشهدت العاصمة صنعاء مسيرة جماهيرية كبرى في شارع المطار، تزامناً مع مسيرات وفعاليات حاشدة في محافظات صعدة، والحديدة، وحجة، وعمران، وذمار، وإب، والمحويت، وريمة، والبيضاء، والجوف، وبقية المحافظات الحرة، في مشهد عكس اتساع الالتفاف الشعبي حول قيم الإمام الحسين وتجديد العهد بالمضي على نهجه في الدفاع عن الدين والكرامة والسيادة.

كربلاء.. ثورة المبادئ الخالدة

تحل عاشوراء حاملة معها واحدة من أعظم محطات التاريخ الإسلامي؛ ذكرى استشهاد سبط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، الذي خرج في مواجهة الانحراف والطغيان، لا طلباً لسلطة أو جاه، وإنما لإحياء رسالة الإسلام وإصلاح أمة جده، مجسداً بقوله الخالد: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.

ولهذا لم تبق كربلاء حادثة تاريخية انقضت باستشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، بل تحولت إلى مدرسة خالدة تستلهم منها الشعوب قيم الحرية والعدل ورفض الظلم، وتجسد الصراع الدائم بين الحق والباطل، وبين الكرامة والخضوع.. ورغم قلة الأنصار وعظم التضحيات، فإن دم الإمام الحسين انتصر على السيف، وبقيت نهضته منارة تهدي الأحرار في كل زمان ومكان.

اليمن وعاشوراء.. ارتباط التاريخ بالموقف

يرتبط اليمنيون بعاشوراء ارتباطاً عميقاً يمتد في جذور التاريخ، فمن مواقف القبائل اليمنية التي ساندت الإمام الحسين في كربلاء، إلى الحاضر الذي يرى فيه اليمنيون أن صمودهم في مواجهة العدوان والحصار امتداد عملي لثقافة “هيهات منا الذلة”.

ولذلك لا يقتصر إحياء عاشوراء في اليمن على الفعاليات الخطابية والثقافية، بل يتحول إلى محطة لتجديد الالتزام بقيم التضحية والوعي والثبات، وربط الأجيال بمبادئ الإمام الحسين، وتجسيدها في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستعمار، وفي مقدمتها الموقف اليمني المساند للشعب الفلسطيني وقوى المقاومة.

حضور جماهيري ورسائل واضحة

أكدت الحشود المشاركة أن إحياء ذكرى الإمام الحسين يجسد الانتماء للإسلام المحمدي الأصيل، والولاء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولعترته الطاهرة، والثبات على المبادئ التي ضحى الإمام الحسين من أجلها.

كما جددت الجماهير استجابتها لدعوة قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، معلنة الجهوزية والاستنفار لإنهاء العدوان والاحتلال والحصار، وتحرير كامل التراب اليمني، ومؤكدة أن طريق العزة والكرامة لا يكون إلا بالصمود والجهاد والثبات.. ورددت الحشود شعار “هيهات منا الذلة”، إلى جانب هتافات أكدت استمرار معركة التحرير، ومواصلة إسناد الشعب الفلسطيني، والثبات ضمن معادلة وحدة الساحات.

فلسطين.. امتداد للنهج الحسيني

شددت الجماهير على أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية للأمة، وأن إحياء عاشوراء يعزز روح المسؤولية تجاه المستضعفين، ويجسد الموقف الثابت في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي.

وأكدت أن النهج الحسيني هو البوصلة التي توجه مواقف الأمة في الدفاع عن قضاياها المصيرية، وأن استمرار دعم غزة ولبنان ومحور المقاومة يمثل امتداداً عملياً للقيم التي استشهد الإمام الحسين من أجلها.

مدرسة الحسين تصنع رجال المواجهة

في كلمة المسيرة، أكد مفتي الديار اليمنية العلامة شمس الدين شرف الدين أن إحياء عاشوراء ليس لإثارة الحزن أو العصبية، وإنما لإحياء القيم التي خرج الإمام الحسين من أجلها، وفي مقدمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف في وجه الطغاة.

وأوضح أن محاولات التشكيك في نهضة الإمام الحسين تشبه اليوم الدعوات التي تستهدف تثبيط الأمة عن مقاومة أعدائها، مؤكداً أن ثقافة الجهاد والاستشهاد هي التي تحفظ الكرامة وتصنع الانتصارات، داعياً إلى تعزيز الإعداد والالتحاق بدورات “طوفان الأقصى” لمواجهة التحديات.. وأشار إلى أن ما حققه محور الجهاد والمقاومة، وفي مقدمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجسد ثمار التمسك بالقيم التي جسدها الإمام الحسين في نهضته المباركة.

عاشوراء.. رسالة لا تنطفئ

يعكس المشهد الجماهيري الواسع في صنعاء والمحافظات الحرة أن عاشوراء في اليمن ليست مجرد ذكرى تستعاد، بل مشروع وعي وبناء وصمود، يجسد حالة التلاحم بين القيادة والشعب في مواجهة التحديات.

فمن كربلاء إلى فلسطين، ومن شعار “هيهات منا الذلة” إلى ميادين الصمود في اليمن، تتجدد الرسالة ذاتها: أن الحق لا يُهزم بالتضحيات، وأن الأمة التي تستلهم نهضة الإمام الحسين قادرة على صناعة النصر مهما اشتدت التحديات، وأن قيم الحرية والكرامة والسيادة ستظل حاضرة في وجدان اليمنيين حتى تحقيق التحرير الكامل وصون استقلال الوطن والدفاع عن قضايا الأمة.

قد يعجبك ايضا