إذا استقرّ الاتفاق الأمريكي – الإيراني وتحول من تفاهم مؤقت إلى إطار سياسي دائم، فلن يكون مجرد تسوية للملف النووي أو وقف للحرب، بل محطة تؤسس لشرق أوسط جديد غير الذي حلم به بنيامين نتنياهو، مختلف عمّا عرفته المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة؛ لأن الأهمية التاريخية للاتفاق لا تكمن في بنوده التقنية بقدر ما تكمن في كونه جاء بعد أول مواجهة مباشرة بهذا الحجم بين الولايات المتحدة وإيران، وفي ظل حرب كشفت حدود القوة العسكرية في فرض الخيارات السياسية.
للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، تخوض الولايات المتحدة مواجهة عسكرية مباشرة ضد دولة إقليمية كبيرة من دون أن تتمكن من فرض شروطها عبر الحرب نفسها. ففي تجارب العراق وصربيا وأفغانستان وليبيا كان الحسم العسكري متاحاً ومقدمة لصياغة الترتيبات السياسية. أما في الحالة الإيرانية، فإن الفشل العسكري هو الذي فرض التفاوض الذي عاد ليحتل الصدارة، بينما بقيت موازين القوى العسكرية والسياسية متقاربة بما يكفي لمنع فرض استسلام إيران بعد الفشل في إسقاط النظام.
أكبر الرابحين من هذا التحول تبدو إيران؛ لأن الصمود في الحرب منحها مكانة سياسية تتجاوز حدود الاتفاق نفسه. لقد أثبتت قدرتها على إدارة مواجهة طويلة ومركبة، وأظهرت أنّ ورقة مضيق هرمز ليست مجرد تهديد نظري بل عنصر مؤثر في الاقتصاد العالمي وفي حسابات الطاقة والأسواق. ومع انتهاء الحرب من دون إسقاط النظام أو إنهاء البرنامج النووي أو تفكيك القدرات الصاروخية، تكون طهران قد انتقلت من موقع الدولة المستهدفة بالاحتواء إلى موقع الشريك الذي لا يمكن تجاوزه في رسم التوازنات الإقليمية.
في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مقاربة جديدة للمنطقة. فقد ظهر أنّ القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج لم تعد تؤدي الوظيفة ذاتها التي أدتها خلال العقود الماضية باعتبارها أدوات للردع والهيمنة. ومن المرجح أن يتحول دورها تدريجياً إلى أدوات لحماية الاستقرار وضمان أمن الممرات البحرية والتوازنات الإقليمية. كما أنّ العلاقة مع دول الخليج مرشحة لأن تصبح أكثر ندية وأقل ارتباطاً بمنطق الاصطفاف الحاد، خصوصاً بعدما أظهرت الحرب أنّ أمن الخليج نفسه يتطلب تفاهمات مع إيران لا يمكن استبدالها بالقوة العسكرية.
أما اتفاقات أبراهام، التي طُرحت باعتبارها مدخلاً لشرق أوسط جديد تقوده “إسرائيل”، فقد دخلت اختباراً صعباً؛ لأن الاتفاق مع إيران يعني عملياً أنّ واشنطن اختارت التفاهم مع خصم “إسرائيل” الأول طلباً للاستقرار الاقتصادي العالمي وتخلصاً من حرب استنزاف مفتوحة، وهذا يعني تهميش تلك الاتفاقات وقد ثبت أنها لم تعد مشروعاً جاذباً، هذا إذا لم يتم إلغاؤها، وهذا يضع المنطقة كلها داخل منظومة إقليمية مختلفة لا تكون فيها “إسرائيل” مركز النظام الجديد ولا شرطاً لازماً للعلاقة مع الولايات المتحدة.
إسرائيل نفسها تدخل مرحلة دقيقة؛ فالفشل في تحقيق أهداف الحرب على إيران يضاف إلى المأزق الذي أفرزته الحرب الطويلة مع حزب الله، يفتحان الطريق أمام احتمالات خطرة: احتمال ظهور تصدعات في العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية إذا اعتبرت تل أبيب أنّ واشنطن قدمت تنازلات استراتيجية لطهران، والثانية احتمال أن تقدم “إسرائيل” على مغامرات منفردة في ظل قناعة إيرانية متزايدة بقدرتها على خوض مواجهة مباشرة إذا فرضت عليها لضمان أمن محور المقاومة. وفي الداخل الإسرائيلي تبدو الانتخابات المقبلة مرشحة لأن تتحول إلى استفتاء على حصيلة حربين كبرتين لم تنجح خلالهما قيادة نتنياهو في إنتاج صورة النصر الذي وعدت به.
في لبنان وفلسطين وسوريا، ينعكس هذا التحول على مستقبل الصراع بأكمله. فإذا كانت الحرب قد أثبتت أنّ المقاومة قوة صاعدة مجدداً وقادرة على فرض إرادتها وانتزاع التحرير لأرضها ولا يمكن إلغاؤها بالقوة، فإن أي ترتيبات مقبلة ستضطر إلى أخذ موازين القوى الفعلية في الاعتبار. كما أنّ استمرار العدوان على غزة أو توسيع العمليات في سوريا ولبنان لن يبدو قراراً سهلاً، كما كان في مراحل سابقة؛ لأن البيئة الإقليمية المحيطة لم تعد البيئة نفسها.
إقليمياً، تتقدم ملامح نظام جديد تحتفظ فيه دول مثل السعودية ومصر وتركيا وباكستان بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، لكنها لا ترى نفسها مضطرة للاصطفاف الكامل خلف خياراتها. ويكتسب هذا التحول بعداً شعبياً واضحاً مع تراجع ثقافة العداء لإيران التي سادت سنوات طويلة، مقابل تنامي الإعجاب بقدرتها على الصمود والمواجهة. وفي قلب هذا التحول تستعيد فلسطين مكانة مركزية في الوجدان العربي والإسلامي بعدما بدا أنّ مشاريع التطبيع وتغيير الأولويات نجحت في إبعادها عن الصدارة.
على المستوى الدولي، يمنح الاتفاق ويعزز موقع روسيا والصين مساحة أكبر كشريكين في صياغة التوازنات الجديدة، ويمنح محور القوى الساعية إلى الحد من الهيمنة الأمريكية فرصة إضافية لترسيخ حضوره. والنتيجة ليست انتقال العالم من هيمنة إلى هيمنة أخرى، بل اقترابه أكثر من نظام دولي متعدد الأقطاب، أكثر توازناً وأقل قابلية لاحتكار القرار الدولي من قبل قوة واحدة.
هكذا قد لا يكون الاتفاق الأمريكي – الإيراني نهاية حرب فحسب، بل بداية مرحلة تاريخية جديدة تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط والعالم معاً.
رئيس تحرير جريدة البناء اللبنانية
