الثورة نت/..
لم تعد انتهاكات العدو الإسرائيلي في مدينة القدس تقتصر على الاقتحامات والاعتقالات والقضم المستمر للأرض والتهويد المتواصل للجغرافيا فحسب، بل تجاوزتها إلى مخطط أكثر خطورة يهدف إلى تغيير “الأمر الواقع” في المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. ففي تصعيد مقلق، تستهدف سلطات الاحتلال أربعة معالم إسلامية تابعة للأوقاف الأردنية، متذرعة بأسباب أمنية واهية، في محاولة مكشوفة لتفريغ هذه المرافق من دورها وفرض إدارة جديدة تنسف الوصاية الهاشمية في سياق مخطط تهويد لا يتوقف لإحكام السيطرة على المسجد، وسط صمت عربي وإسلامي عالمي مريب.
تصعد سلطات العدو الإسرائيلي انتهاكاتها في مدينة القدس المحتلة، و تواصل اعتداءاتها خاصة على المسجد الأقصى المبارك، وتستمر في عمليات الاعتقال والإبعاد، إلى جانب اقتحامات وإغلاقات تنفذها قوات العدو والمستوطنين، وذلك على مرأى ومسمع العالم.
العدو يستهدف أربعة معالم في المسجد الأقصى
وفي تصعيد جديد يُنذر بتحولات خطيرة داخل المسجد الأقصى المبارك، تعمل سلطات العدو الإسرائيلي على تفريغ عدد من المرافق والمعالم الإسلامية التابعة للأوقاف الأردنية من دورها ووظيفتها.
وتتذرع سلطات العدو في هذه الإجراءات بأسباب أمنية تصفها جهات مقدسية بأنها مختلقة، في محاولة لإحكام السيطرة التدريجية على أجزاء من المسجد وفرض واقع إداري جديد يهدد الوصاية الأردنية التاريخية ويقوّض الإدارة الإسلامية للأقصى.
وقالت مؤسسة القدس الدولية إن الأسابيع والأشهر الماضية شهدت تصعيداً ملحوظاً من قبل شرطة العدو في سياسة تفريغ عدد من معالم المسجد الأقصى المبارك بذرائع أمنية، كان آخرها استهداف قبة موسى الواقعة في الجهة الجنوبية الغربية من المسجد.
وأوضحت أن عدد المرافق التي طالتها هذه السياسة ارتفع إلى أربعة مرافق رئيسية، جميعها كانت تُستخدم مقرات إدارية للأوقاف الإسلامية التابعة للأردن.
وشملت المرافق الأربع، قبة الإمام الغزالي فوق سطح مصلى باب الرحمة، ودار الحديث الشريف الواقعة بين باب الرحمة وباب الأسباط في الجهة الشمالية الشرقية للمسجد.
وضمت المرافق المستهدفة، قبة سليمان في الساحة الشمالية مقابل باب الملك فيصل، إضافة إلى قبة موسى بمحاذاة باب السلسلة في الساحة الجنوبية الغربية.
وبحسب المؤسسة، تعتمد سلطات العدو على ذرائع أمنية لتبرير اقتحام هذه المرافق وكسر أقفالها ومنع إعادة إغلاقها، ثم إبقائها مفتوحة وملاحقة كل من يدخل إليها وطرده منها بحجة استخدامها في أعمال مخلة بالأمن.
وأكدت أن هذه الإجراءات تُشبه إلى حد كبير السياسة التي اتبعتها سلطات العدو تجاه مصلى باب الرحمة على مدار 16 عاماً بين عامي 2003 و2019، قبل أن تحاول فرض سيطرتها عليه.
واعتبرت أن ما يجري حالياً يمثل مقدمة لقضم هذه المرافق الأربعة ووضعها تدريجياً تحت إدارة شرطة العدو، إلى جانب تعطيل عمل أقسام الأوقاف التي كانت تنشط فيها.
ودعت المؤسسة، الأردن إلى تبني استراتيجية جادة وفاعلة لحماية المسجد الأقصى ومنع تقويض دوره التاريخي والقانوني فيه.
وأكدت أن الاكتفاء بالبيانات المنفردة أو المشتركة لم يعد كافياً في مواجهة التحديات المتصاعدة.
وشددت على أن “المملكة الأردنية الهاشمية تتولى أمانة إدارة المسجد الأقصى نيابة عن الأمة الإسلامية استناداً إلى الوقائع التاريخية وأحكام القانون الدولي”.
وأوضحت أن استهداف العدو لدور الأوقاف الأردنية مسألة تتجاوز البعد الإداري إلى استهداف مباشر للوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد.
تحويل المسجد الأقصى إلى “مركز متعدد الأديان”
وفي مايو الماضي، كشفت مصادر متطابقة لموقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي يعملان “بشكل نشط” على تجريد الأردن من وصايته التاريخية على مجمع المسجد الأقصى في القدس، ويسعيان لطرح ترتيبات جديدة تهدف إلى إخضاع إدارة الموقع الإسلامي المقدس لمصالح العدو الاسرائيلي.
وأفاد مسؤولون أمريكيون وأردنيون وفلسطينيون، إلى جانب مصادر غربية وخليجية، بأن الخطة التي يقودها صهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر(والذي لا يشغل أي منصب رسمي في الإدارة الحالية)، والسفير الأمريكي لدى الكيان الإسرائيلي مايك هكابي، تقضي بإنهاء سلطة دائرة الأوقاف الإسلامية المدعومة أردنيًا بشكل مفاجئ وتأسيس هيئة جديدة تعينها حكومة العدو الإسرائيلية تعلن المسجد الأقصى “مركزًا متعدد الأديان”.
ووفقًا للمسؤولين، الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم لحساسية الأمر، فإن “الترتيبات الجديدة ستمنح اليهود حقًا متساويًا” في دخول الموقع الإسلامي وتسمح رسميًا بإقامة صلوات يهودية جماعية واسعة النطاق، كما سيكون للكيان الإسرائيلي رأي رئيسي في تعيين الأئمة والخطباء وكبار مسؤولي المسجد، فضلًا عن التدخل في مراجعة واعتماد مضامين خطب الجمعة.
ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكين اثنين أن واشنطن صاغت ورقة عمل تلخص رؤيتها لمستقبل المسجد؛ مشيرين إلى أن إدارة ترامب ترغب في تجريد المسجد الأقصى من هويته الإسلامية الخالصة وتحويل الموقع إلى معلم سياحي بارز يحتضن ما يدعى ب”الديانات الإبراهيمية الثلاث”.
تمادي وانتهاك خطير يستدعي النفير العام
وفي ردود الفعل المنددة، حذّرت حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، من المحاولات الصهيونية المستميتة لتفريغ معالم المسجد الأقصى المبارك بذرائع أمنية واهية، وما تمثله من تمادٍ وانتهاكٍ خطير يستدعي النفير العام لحمايته، وإفشال مخططات العدو عبر تكثيف الرباط وشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك.
وأكدت في تصريح صحفي، وصل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن “استهداف العدو لأربعة معالم أساسية في الأقصى والتي كان آخرها قبة موسى في الجهة الجنوبية الغربية للمسجد، سيزيد من دائرة الغضب والويلات على هذا العدو الغاشم، فشعبنا لن يستسلم أمام هذه المؤامرات والمساعي التهويدية التي تتبناها حكومة العدو اليمينية ووزرائها المتطرفين”.
ودعت ” أمتنا العربية والإسلامية إلى الوقوف بكل مسؤولية أمام هذه المرحلة الخطيرة التي تهدد المسجد الأقصى، والتحرك العاجل لوقف مخططات العدو الهادفة لتدنيس الأقصى وفرض مخططات تهويدية، على حساب حقوقنا التاريخية والدينية”.
تداعيات الاستفزازات الصهيونية على الأمن الاقليمي
وفي ذات السياق، نقلت صحيفة الوقائع الأردنية، عن جهات رسمية في الاردن رفضها القاطع لهذه الانتهاكات التي تمثل محاولة مكشوفة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الاسلامية.
وأوضحت أن هذه السياسات التي تتبناها حكومة العدو تسعى بشكل ممنهج إلى فرض واقع جديد يتمثل في التقسيم الزماني والمكاني للحرم القدسي، وهو الأمر الذي ترفضه المملكة جملة وتفصيلا.
وشددت التصريحات على أن المسجد الاقصى بكامل مساحته البالغة مئة وأربعة وأربعين دونما هو مكان عبادة خالص للمسلمين فقط ولا سيادة للعدو عليه.
وبيّنت أن إدارة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة الوحيدة صاحبة الاختصاص القانوني في إدارة شؤون المسجد وتنظيم الدخول إليه.
وحذّرت التقارير الرسمية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي الى عواقب وخيمة على الأرض ويزيد من حدة التصعيد في الضفة الغربية المحتلة.
وكشفت تحليلات سياسية أن هذه الاقتحامات ليست مجرد تصرفات فردية بل هي جزء من نهج حكومي صهيوني متطرف يهدف إلى فرض أمر واقع غير قانوني في القدس.
تصاعد الأخطار على المسجد
وفي ذات السياق، حذّر خطيب المسجد الأقصى المبارك، الشيخ عكرمة صبري، من تصاعد الأخطار التي تهدد المسجد، داعياً العرب والمسلمين إلى تحرك عاجل لحماية المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة والتصدي لمحاولات العدو الإسرائيلي فرض واقع جديد داخل المسجد.
وقال صبري، في تصريحات صحفية، إن المسجد الأقصى يواجه تهديدات متزايدة وخطيرة نتيجة الانتهاكات المستمرة من قبل قوات العدو والمستوطنين ، وفق ما نقلت وكالة سند للأنباء.
وأدان الاقتحام الذي نفذه مستوطنون للمسجد الأقصى يوم الجمعة الموافق 22 مايو 2026، واصفاً ما جرى بأنه خطير وغير مسبوق، خاصة بعد قيام المستوطنين بأداء طقوس دينية داخل باحات المسجد، وهم يحملون قرابين خاصة بما يسمونه “عيد الأسابيع”.
وشهد المسجد الأقصى في ذلك اليوم، اقتحام ستة مستوطنين للمسجد بعد صلاة العصر من جهة باب الغوانمة، حيث اعتدوا على أحد حراس المسجد وركضوا باتجاه صحن قبة الصخرة، بينما كانوا يحملون قربان الخبز الخاص بطقوس عيد الأسابيع.
و “عيد الأسابيع” اليهودي هو ثالث وآخر مناسبة تحتفل فيها “منظمات الهيكل” داخل المسجد الأقصى في مايو الماضي، وحلت قبله مناسبتان في أيام الجمعة التي تتوقف فيها اقتحامات المستوطنين عادةً، وهما:
“عيد الفصح الثاني”: صادف الأول من مايو ، وفي الاقتحام التعويضي يوم الخميس السابق له اقتحم المسجد 214 مستوطناً.
“يوم القدس” أو ما يدعى “يوم توحيد القدس” كما يسمونه: صادف 15 مايو ، واقتحم المسجد في الخميس الذي سبقه 1412 مستوطناً في اقتحام تعويضي رفعوا خلاله الأعلام الإسرائيلية ولوحوا بها في باحاته.
خلافات داخلية فقهية صهيونية
وفي حديثه عن قضية أداء القرابين الحيوانية، وهي أهم طقوس عيد الفصح اليهودي ، قال الأكاديمي ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق بالمسجد الأقصى عبد الله معروف ، إن هذه القضية ظلت عالقة حتى هذه اللحظة لدى الجماعات المتطرفة، بسبب عدم تمكنها من تنفيذ هذا الطقس داخل الأقصى.
وأضاف معروف ، في حديث لموقع الجزيرة نت ، “لكن ينبغي أن نعلم أن هذا الأمر ليس بسبب منع السلطات الأمنية وتحديدا جهاز الشاباك لهذه العملية، وإنما بسبب الخلافات الداخلية بين أفراد هذه الجماعات والمؤسسة الحاخامية الرسمية التقليدية حول طبيعة وكيفية أداء هذا الطقس، وإمكانية أدائه في الوقت الحالي من الناحية الدينية الفقهية”.
وأشار إلى أن “المسألة انتقلت من قضية التخوف من رد الفعل العربي والإسلامي إلى الخلافات الداخلية الفقهية بين أقطاب التيارات الدينية الإسرائيلية فقط”.
وأضاف، أن هذا يعني بحد ذاته “أننا أمام تحول خطير بطريقة تعاطي جماعات المعبد المتطرفة وحكومة العدو الإسرائيلية مع قضية ردود الفعل العربية والإسلامية، إذ لم تعد سلطات العدو تحسب حساب رد فعل العالمين العربي والإسلامي الرسمي والشعبي على تصرفاتها داخل الأقصى، وهذه حقيقة مؤلمة تجلت هذا العام ولا بد أن نعترف بها”.
وهذا يعني، وفق معروف، أنها متى ما حُلّت قضية الخلافات الفقهية الداخلية، فإن هذه الجماعات يمكن أن تقوم بعمل كبير في المسجد كبناء كنيس أو اقتطاع جزء منه أو أي شيء من شأنه أن يغير شكل المسجد، دون أن تحسب حساب أي ردود فعل، وهنا مربط الفرس ونقطة التخوف الكبرى، لأن المسجد الأقصى كما يبدو لم يعد على رأس سلم أوليات الشارعين العربي والإسلامي، الذي لم يرد على ما يجري فيه بالطريقة التي تتماشى مع حجم الاعتداءات.
المساس بالوصاية والاستهداف المباشر للقدس
من ناحيته، حذر النائب السابق في البرلمان الأردني ونائب رئيس البرلمان العربي سابقاً، خليل عطية، من تصعيد “إسرائيلي” غير مسبوق في مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى المبارك، مؤكداً أن حكومة العدو تمضي في تنفيذ مخطط منظم يستهدف تغيير الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة، وفرض وقائع تهويدية جديدة على الأرض.
وأوضح عطية، في تصريح لوكالة شهاب الفلسطينية، تعقيباً على التطورات الأخيرة، أن الانتهاكات اليومية المتصاعدة من اقتحامات استفزازية وطقوس تلمودية علنية، بموازاة سياسات الهدم والتشريد والاعتقال والإبعاد بحق المقدسيين، باتت تشكل مرحلة حساسة تمس مباشرة بالوضع التاريخي والقانوني القائم بالمسجد الأقصى.
وأشار عطية إلى أن الخطر الأكبر في الآونة الأخيرة يتجاوز الانتهاكات الميدانية التقليدية، ليصل إلى محاولات ممنهجة ومكشوفة لإعادة تعريف المسجد الأقصى المبارك وطرح مشاريع تهدف إلى تحويله إلى ما يُسمى “مركز متعدد الأديان”، في مسعى للالتفاف على الحقوق التاريخية والدينية الثابتة للمسلمين وتقويض خصوصية الحرم القدسي الخالصة.
وقال إن “الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست مجرد عنوان سياسي، إنما هي مسؤولية تاريخية وقانونية ودينية تحظى باعتراف عربي وإسلامي ودولي، وشكلت على الدوام صمام أمان لحماية المقدسات والحفاظ على هويتها”.
وشدد على أن أي محاولة للمساس بهذه الوصاية أو تجاوز دورها تمثل استهدافاً مباشراً لمكانة القدس وللحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
إدارة “أمر واقع” داخل باحات الحرم
وتأتي تحذيرات عطية متزامنة مع تقارير ميدانية ومعطيات وثقتها جهات مقدسيّة تفيد بأن سلطات العدو تنفذ خطوات متسارعة لإنهاء الدور الأردني عبر تفريغ عدد من المعالم التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية من وظائفها الإدارية والدينية، بذراع أمنية واهية، تمهيداً لفرض شرطة العدو كجهة إدارة “أمر واقع” داخل باحات الحرم.
ووفقاً للتقارير الموثقة، فإن الاستهداف “الإسرائيلي” تركز على أربعة مواقع رئيسية تقع في الزوايا الأربع للمسجد الأقصى، مما يعكس توجهاً منسقاً لقضم مفاصل المسجد وإضعاف الوجود الإداري للأوقاف.
وأكد النائب السابق خليل عطية أن خطورة الإجراءات الميدانية الإسرائيلية والدعم السياسي المباشر والتسهيلات التي تمنحها حكومة العدو للمنظمات الاستيطانية المتطرفة لتكثيف أعداد المقتحمين، تتطلب اليوم موقفاً عربياً وإسلامياً ودولياً أكثر حزماً يتجاوز لغة البيانات التقليدية.
ودعا عطية المجتمع الدولي إلى إلزام “إسرائيل” ، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، باحترام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، والحفاظ الصارم على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، باعتباره حقاً إسلامياً خالصاً غير قابل للمساومة أو الانتقاص.
