ترامب يشتري الفشل الاستراتيجي

ناصر قنديل

 

منذ أن لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه ضربات واسعة للبنية التحتية الإيرانية، من الجسور إلى محطات الطاقة، للمرة السادسة بعد تهديدات مماثلة متكرّرة تم التراجع عنها، بدا المشهد تعبيرًا عن الغضب من تعثر المسار التفاوضي بسبب رفض إيران تلبية طلبات يعتقد ترامب أنه لا يستطيع التنازل فيها، من دون أن تكون لديه خطة واضحة لتوظيف التهديد في سياق الحسم العسكري للحرب أو في سياق تحسين الموقع التفاوضي مع إيران، ولأن هذا ما كان يدعوه كل مرة للتراجع عن التهديد مخترعًا سببًا كل مرة، يبقى السؤال الذي يواجه واشنطن اليوم ليس ما إذا كانت قادرة على شنّ الحرب، بل ما الذي ستجنيه منها إذا فشلت المفاوضات التي خيضت أصلاً لتجنب الحرب؟

السيناريو الأول هو أن تبقى التهديدات في إطارها السياسي والإعلامي من دون تنفيذ. وهنا تبرز مشكلة يعرفها ترامب أكثر من غيره، لأنه سبق أن أطلق تهديدات مشابهة في أكثر من محطة، ثم عاد إلى طاولة التفاوض. المشكلة أن تكرار التهديد من دون تنفيذ يضعف المصداقية الأمريكية ويشجع الخصوم على اختبار حدود القوة الأمريكية. وقد بدأت أصوات داخل الولايات المتحدة وخارجها تتساءل عمّا إذا كانت التهديدات الأخيرة مختلفة فعلاً أم أنها حلقة جديدة من سياسة تعتمد رفع السقف ثم العودة إلى التسوية.

أما السيناريو الثاني فهو تنفيذ التهديدات والدخول في حرب قد تمتدّ أربعين يوماً أو أكثر. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً. فما هي الأهداف الواقعية للحرب؟ هل إسقاط النظام الإيراني؟ التجارب الأمريكية مع إيران تقول إن كل ضغط عسكري خارجي يرفع منسوب التماسك الداخلي حول النظام، وكل خطر أجنبي يؤدي إلى تمسك القيادة بصلابة مواقفها، ولذلك فإن الرهان على انهيار سريع يبدو أقرب إلى الأمنيات منه إلى التقديرات الواقعية.

أما التوظيف التفاوضيّ للتصعيد الحربي فقد خبرته واشنطن، وبات لديها جواب واضح على سؤال: هل يمكن أن تؤدي الحرب إلى تراجع القيادة الإيرانية وقبولها بالشروط الأمريكية؟ هذا احتمال قائم نظرياً، لكنه يفترض أن تكون كلفة الصمود أعلى من كلفة التراجع. بينما تشير تجارب العقود الماضية إلى أن القيادة الإيرانيّة بنت شرعيتها الداخلية والخارجية على رفض الإملاءات الخارجيّة، وتعرف أن التراجع في بند سوف يجرّ وراءه بنوداً، وقد ثبت أن الحرب تنتج أثراً معاكساً وتزيد التمسك بثوابت النظام، خصوصاً أن التفاوض عالق عند نقطتين تحوزان شعبيّة كبيرة في إيران، هما تحرير الأصول الإيرانيّة المجمّدة وشمول لبنان بوقف الحرب.

القضية التي لا تقلّ أهميّة هي كلفة الحرب على المنطقة والعالم؛ لأن مضيق هرمز ليس مجرد ممرّ بحري، بل شريان الطاقة العالمي. وأيّ تعطيل طويل لحركة الملاحة يعني ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط والغاز، وضغوطاً تضخّمية عالمية، وتراجعاً في النمو الاقتصادي، وتهديداً مباشراً لدول الخليج التي تجد نفسها بين حاجتها للحماية الأمريكية وخشيتها من أن تتحوّل إلى ساحة ردود متبادلة.

أما “إسرائيل”، التي تضغط منذ سنوات لوضع الملف الإيرانيّ في صدارة الأولويات الأمريكية، فقد تجد نفسها أمام مفارقة صعبة. فإذا انتهت الحرب من دون إسقاط النظام الإيراني أو تجريد إيران من قدرتها على الردّ، فإن النتيجة العملية ستكون تثبيت مكانة إيران الإقليمية لا إضعافها. والأسوأ بالنسبة لـ”إسرائيل” أن تكون الحرب قد أثبتت قدرة إيران على الصمود وعلى مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات أو استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

هنا تظهر العقدتان اللتان عطّلتا المفاوضات أصلاً. الأولى: قضية الإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة؛ لأن طهران ترى أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة هذه القضية يعني عملياً تكرار ما حدث بعد انسحاب ترامب من الاتفاق السابق، عندما استفادت واشنطن من التزامات إيران ثم أعادت العقوبات من دون دفع أي ثمن. والثانية: هي الربط بين الملف النووي والملف اللبناني؛ لأن إيران تعتبر أن استقرار لبنان جزء من أي تفاهم إقليمي، بينما يخشى ترامب أن يؤدي تجاهل المطالب الإسرائيلية في لبنان إلى صدام مع نتنياهو واللوبي المؤيد لـ”إسرائيل” داخل الولايات المتحدة.

المفارقة أن الحرب لن تحلّ أياً من هاتين العقدتين. فإذا خرجت إيران من الحرب محتفظة بنظامها السياسي وقدرتها العسكرية الأساسية، فستعود المفاوضات إلى نقطة البداية: لا اتفاق بلا معالجة للأرصدة الإيرانية، ولا اتفاق يتجاهل لبنان. بل إن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة للتفاوض من موقع أضعف بعدما تكون قد استنفدت أداة الحرب من دون تحقيق أهدافها السياسية.

تبدو المقامرة بالحرب أقرب إلى مغامرة استراتيجية عالية الكلفة. فالفشل التفاوضي قد يكون قابلاً للاحتواء، أما الفشل الاستراتيجي الناتج عن حرب لا تحقق أهدافها فقد يترك الولايات المتحدة أمام شرق أوسط أكثر اضطراباً، وإيران أكثر تشدداً، و”إسرائيل” أقل أمناً، ودول خليج أكثر قلقاً، واقتصاد عالمي أكثر هشاشة. وعندها لن يكون السؤال لماذا فشلت المفاوضات، بل لماذا جرى التخلي عنها قبل استنفاد فرص النجاح؟

رئيس تحرير جريدة البناء اللبنانية

 

قد يعجبك ايضا