وعي الشعوب وغباء الأنظمة

شاهر أحمد عمير

 

مِن الأخطاء الشائعة في تشخيص الواقع التاريخي والسياسي، تصنيفُ المجتمعات البشريّة وفق ثنائية شعوب ذكية وأُخرى غبية.

فالحقيقة الثابتة والمُجَـرّدة هي أن الشعوب تتشابه في كُـلّ مكان وزمان، وتمتلك ذات الطاقات الإنسانية والقدرة على التمييز.

التباين الوحيد بينها لا يعود إلى جيناتها أَو طبيعتها الخَلقية، وإنما يكمن في مستوى الوعي الإيماني الذي تحمله، وحجم الخِبرة التاريخية والتجارب المريرة التي عاشتها وتجرعت ويلاتها.

إن المجتمعات البشريّة تتشكّل مواقفُها بناءً على محطات صراعها مع الاستبداد، فهناك شعبٌ اكتوى بنيران الحكام الطغاة، فامتلك وعيًا مبكرًا وشكّلت مضادات حيوية طبيعية ضد الحكم الاستبدادي، لا سِـيَّـما حين ترى هؤلاء الحكام يسلبون الأُمَّــة سيادتها ويضعون مقدراتها تحت أقدام الصهاينة واليهود.

وفي الضفة الأُخرى، ثمة شعوبٌ أُخرى طال عليها أمد الجور والظلم، وتوالت عليها سياط القهر الفكري والسياسي، فقست قلوبهم، واستسلموا لحالة من التدجُّن والتبعية لواقع مرير.

لكن هذا الركود والبقاء في المستنقع السياسي ليس قدرًا محتومًا، هو مسألة وقت ليس إلا، فالشعوب تمرض ولكنها لا تموت، والوعي الكامن فيها يشبه الجمر الذي ينتظر هبوب رياح التغيير.

ومن هنا، يجب التأكيد على أنه لا توجد حصانة لأي شعب أَو نظام من السقوط في الأزمات والمشكلات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، إن هو تخلّى عن أسباب النهوض، وإن فكرة الإيمان بتفوّق شعبٍ معين على بقية الشعوب، أَو رمي مجتمع ما بأنه متخلف بطبعه، ليست سوى أفكار عنصرية متطرفة وساقطة، تدينها الشرائع السماوية كافة، وتجرمها مواثيق حقوق الإنسان.

واليوم، يعيش العالم ومستجدات الأحداث حالة فرزٍ واضحة وتاريخية لا غبار عليها، حَيثُ ينقسم المشهد إلى جبهتين؛ الأولى تتمثل في شعوب حرة ومقاومة يقودها حكام ومسؤولون مؤمنون ومجاهدون، كما هو حالنا اليوم في اليمن وفي دول ومجتمعات محور المقاومة، حَيثُ تحول الوعي الإيماني والبصيرة والجهاد إلى درع حصين يحمي الأُمَّــة، ويصنع الانتصارات ويحطم هيبة قوى الطغيان العالمي.

أما الجبهة الثانية، فهي شعوب تكبّلها القيود وتعيش تحت وطأة الظلم والقمع، يتحكم بمصيرها حكامٌ مطبّعون سارَعوا في العمالة، يساندهم علماء بلاط منافقون يزيّفون الحقائق، ويشرعنون الخنوع للعدو الاحتلال الصهيوني وحلفائه تحت ذرائع واهية.

معركة الأُمَّــة اليوم هي معركة وعي بالدرجة الأولى، ومتى ما تسلّحت الشعوب بوعيها الإيماني واستلهمت تجاربها النضالية، فإن عروش الغباء السياسي والعمالة للأنظمة المتهاوية لن تصمد طويلًا، وسيكون النصر حليف الشعوب الحية التي أبت المقيل في مستنقع الهوان والتبعية.

قد يعجبك ايضا