عدن.. حين تتحول البيوت إلى «تنانير» والشوارع إلى غرف نوم جماعية بفعل فساد الاحتلال

أين تبخرت المليارات؟.. حقيقة كذبة تحويل عدن إلى «دبي وجدة»

 
أطفال يموتون وإغماءات بين المواطنين والحر يحصد أرواح كبار السن 
 
“حكومة الفنادق” تنهب 55 مليون دولار شهرياً بحجة دعم الكهرباء 
 
مئات الأسر تفر إلى المحافظات الشمالية هرباً من جحيم الصيف

الثورة / محمد عبد الله  
 
يتجرع سكان مدينة عدن والمحافظات الساحلية المحتلة، مرارة الصيف مجدداً، مع موجة حر خانقة ضاعف من قسوتها التدهور الحاد في خدمة الكهرباء وزيادة ساعات الانقطاع، وهو ما ألقى بظلاله الثقيلة على الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال، والنساء، وكبار السن. 

ومع غياب الحلول الجذرية وتكرار الأزمة سنوياً، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة عزاء ومناشدات مستمرة، يوثق من خلالها الأهالي معاناتهم دون جدوى أو استجابة ملموسة من (حكومة الفنادق).
وفي توثيق حي للمأساة، تداول ناشطون مقطع فيديو مؤثراً لمواطن يصرخ بحرقة: «الناس تموت، نريد فقط أبسط حقوقنا الإنسانية في العيش الكريم، نريد كهرباء وماء».
وفي سياق متصل، أكدت مصادر إعلامية، تسجيل وفيات بين كبار السن، ووصفت المصادر المنازل بأنها تحولت إلى «مدافن وتنانير» بفعل الحرارة المرتفعة التي تسببت أيضاً في انتشار الأوبئة والأمراض.
هذا الوضع الكارثي دفع بشباب منطقة الخساف بمديرية كريتر إلى إطلاق دعوات للاعتصام المفتوح تحت شعار «المبيت في الشوارع»، بعد أن أصبحت البيوت قطعة من الجحيم لا تُطاق.
وسجلت «الثورة» تداول رواد منصات التواصل الاجتماعي، صوراً صادمة من مختلف مديريات عدن، تُظهر كيف تحولت الشوارع والأرصفة إلى ملاذ أخير للأهالي الهاربين من وطأة المنازل الشبيهة بالأفران، جراء الانقطاع الطويل للكهرباء. ونقلت الصور مشاهد قاسية لأطفال ونساء يفترشون الأرض في الهواء الطلق بحثاً عن النوم، في حين كشفت صور أخرى عن تقرحات وتسلخات جلدية مؤلمة أصابت أجساد عشرات الأطفال بسبب الرطوبة والحر الشديد في المدينة الساحلية.
وتأتي هذه الكارثة الإنسانية بالتزامن مع توجهات لحكومة المرتزقة في عدن لرفع يدها عن قطاع الكهرباء تلبيةً لاشتراطات صندوق النقد الدولي، وهي الخطوة التي تحظى بضوء أخضر سعودي، وتتقاطع مع تحركات للرياض تهدف للإطاحة بمحافظ عدن، عبد الرحمن شيخ اليافعي، على خلفية التوترات الأخيرة والتصريحات الهجومية الصادرة عن كبير مشايخ يافع ضد المملكة.
يأتي ذلك في الوقت الذي اتخذت فيه أزمة الكهرباء منحى كارثياً، بعد أن تسببت الموجة الحارة في حالات إغماء للمواطنين وتوقف المستشفيات وضخ المياه، مما أجبر الأهالي على النوم في الشوارع، بينما فرت الأسر الميسورة إلى المحافظات الشمالية هرباً من جحيم الصيف.
وتأتي هذه المعاناة في ظل استمرار «حكومة الفنادق» في تجاهل مناشدات الشارع، ما يكشف عن خلل عميق في أداء حكومة المرتزقة وعجزها التام عن تفسير أسباب هذا الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.
والسؤال الذي يحرق صدور أبناء عدن اليوم: أين ذهبت المليارات والوعود البراقة التي أُغدقت على مدى عقد كامل من الزمن؟ وأين تلك الوعود بتحويل عدن إلى دبي وجدة ؟!!
عدن.. حكاية مدينة يقتلها الحر، ويخنقها الظلام
لم تعد أزمة الكهرباء في عدن المحتلة مجرد سطر في نشرات الأخبار، أو خلل خدمي يمكن التعايش معه؛ إنها الغصة اليومية في حلق ملايين السكان، والبطاقة التعريفية لصيف لاهب ينهش أجسادهم بلا رحمة، وسط عجز حكومة الفنادق التي تحولت مع الوقت إلى جدار صمّ لا يسمع الأنين.
في هذه المدينة الساحلية، التي يمتزج فيها القيظ بالرطوبة الخانقة، تحولت الكهرباء من حق أساسي إلى حلم بعيد المنال، أكثر من عشر ساعات ونصف من العتمة والجرع الحارة، تقابلها ساعتان يتيمتان من الضوء، وفي أحيان كثيرة يمتد الظلام لأكثر من نصف يوم.
هذا التمادي في التعذيب الخدمي، أشعل الشوارع غضباً واحتجاجاً، فكيف لمدينة كاملة أن تظل رهينة للحر المستبد؟
في داخل البيوت التي تحولت إلى ما يشبه الأفران، يتضاعف أنين كبار السن، وتذبل أجساد الأطفال، وتغرق المستشفيات والمرافق الحيوية في شلل تام.
أما الحلول البديلة كالطاقة الشمسية والمولدات، فقد باتت ترفاً لا تملكه الأغلبية الساحقة من المواطنين المطحونين بأساسيات العيش.
بين وعود تبخرت ومحطات عاجزة
وخلف كواليس هذا الانهيار، تسقط مبررات (حكومة الفنادق) الواحدة تلو الأخرى؛ فالأمر تجاوز حدود نقص وقود الديزل أو المازوت إلى فساد منظم وفشل إداري مزمن وهيكلي.
محطات التوليد باتت عاجزة عن مجاراة الانفجار السكاني، بينما غرقت ما يُسمى بمحطة «الرئيس» الإستراتيجية في وحل المشاكل الفنية واضطراب إمدادات النفط الخام، ليفقد قطاع الطاقة نحو 130 ميجاوات دفعة واحدة.
والسؤال الذي يحرق صدور أبناء عدن اليوم: أين ذهبت المليارات والوعود البراقة التي أُغدقت على مدى عقد كامل من الزمن؟ أين تبخرت عقود الصيانة والمحطات المستأجرة؟ التقارير الرقابية تكشف عن ثقوب سوداء من الفساد والتجاوزات في صفقات الوقود، بينما النتيجة الحتمية على أرض الواقع: أموال تُنفق، وظلام يتمدد.
ثورة الصبر النافد
لقد تحولت الأزمة من «موسمية» إلى «مرض مزمن» يلازم المدينة طوال فصول السنة، مسجلة في الأعوام الماضية أرقاماً قياسية بلغت 22 ساعة انطفاء يومياً.
ومع انعدام الحلول، لم يتبقَ للمواطنين سوى الشارع؛ فخرجوا في تظاهرات غاضبة تحت ضغط الغلاء الفاحش وتراجع القدرة الشرائية، محملين سلطات دول التحالف المسؤولية الكاملة عن هذا الموت البطيء.
يجمع الخبراء على أن الحل يبدأ بانتشال القطاع من الفساد والعشوائية والمقايضات المؤقتة، عبر توفير وقود مستدام، والتحول نحو الطاقة المتجددة، وبناء محطات حقيقية تخضع لرقابة صارمة وشفافة.
ولكن حتى يصحو الضمير المسؤول، ستبقى عدن تدفع من دماء أبنائها وصحتهم ثمن سنوات الإهمال، بجدول زمني بائس يلخص واقعهم: ساعات ممتدة من الجحيم والظلام، مقابل ومضات عابرة من الحياة.
فساد الكهرباء في عدن
على مدى سنوات طويلة، لم تعد أزمة الكهرباء في عدن مجرد مشكلة خدمية أو فنية، بل تحولت إلى أحد أكثر ملفات الإنفاق العام إثارة للجدل، في ظل استمرار الانقطاعات اليومية للتيار الكهربائي رغم مليارات الريالات والدولارات التي أُنفقت تحت عنوان «إنقاذ المنظومة الكهربائية».
فكل صيف يتكرر المشهد ذاته: ساعات طويلة من الظلام، احتجاجات شعبية، ووعود عاجلة، قبل أن تعود الأزمة من جديد بصورة أكثر حدة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب الفشل المزمن في قطاع استنزف موارد ضخمة دون نتائج ملموسة.
الطاقة المشتراة..  نزيف دائم
يُعد ملف «الطاقة المشتراة» من أكثر الملفات إثارة للجدل في قطاع الكهرباء بعدن.
فبحسب تقارير رقابية وإعلامية متعددة، شهدت عقود شراء الطاقة من القطاع الخاص اختلالات مالية وإدارية واسعة، فيما تحدثت تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن ملاحظات جوهرية على تلك العقود وآليات التعاقد والتنفيذ.
وأشارت تقارير منشورة إلى أن كهرباء عدن تكبدت أكثر من 16 مليون دولار خلال عشرة أشهر فقط نتيجة ترتيبات مرتبطة بعقود الطاقة المشتراة، في حين استمرت معاناة المواطنين من الانطفاءات المتكررة.
55 مليون دولار إجمالي الإنفاق على الكهرباء شهرياً:
في واحدة من أكثر المفارقات إثارة للاستغراب، أفادت تقارير صحفية بأن الإنفاق الشهري على الكهرباء في عدن وصل إلى نحو 55 مليون دولار خلال بعض الفترات، ورغم ذلك استمرت ساعات الانطفاء لتصل إلى 14 ساعة يومياً أو أكثر.
وهذه الأرقام تثير أسئلة صعبة حول كفاءة الإنفاق، وآليات الرقابة، ومدى الاستفادة الفعلية من الأموال المخصصة لقطاع الكهرباء.
تحقيقات ووثائق رقابية تكشف اختلالات واسعة
تحقيق استقصائي نُشر عام 2025م، واستند إلى وثائق رسمية وبيانات حكومية للمرتزقة وتقارير رقابية، تحدث عن وجود فساد إداري ومالي طال مشاريع حيوية في قطاع الكهرباء، وكشف ملفات مرتبطة بمحطة الحسوة الحرارية، وصفقات محطات عائمة، وتجاوزات في مناقصات الوقود.
كما أشارت تقارير أخرى إلى وجود ملاحظات رقابية بشأن عقود الوقود والمشتقات النفطية المخصصة لمحطات الكهرباء، وما رافقتها من تجاوزات وإهدار للمال العام.
المواطن الضحية الأولى
بينما تتبادل الجهات المختلفة الاتهامات وتبريرات الإخفاق، يبقى المواطن العدني الطرف الأكثر تضرراً.
فالأسر تتحمل تكاليف إضافية لشراء البطاريات والطاقة الشمسية والوقود للمولدات الخاصة، فيما تتأثر المستشفيات والورش والمحلات التجارية والعملية التعليمية بصورة مباشرة نتيجة الانقطاعات المستمرة.
وبحسب مراقبين، فإن المواطن يدفع ثمن الفساد أو سوء الإدارة مرتين: مرة من المال العام الذي يُنفق على مشاريع غير مستدامة، ومرة من  معاناته اليومية مع انعدام الخدمة.
لماذا لم تُحل الأزمة حتى الآن؟
يرى خبراء أن المشكلة تتجاوز نقص الوقود أو الأعطال الفنية، وتمتد إلى غياب استراتيجية طويلة المدى لإنتاج الطاقة، والاعتماد المستمر على حلول إسعافية مكلفة، وضعف الشفافية في إدارة القطاع وانتشار الفساد .
كما أن استمرار الجدل حول عقود الطاقة المشتراة وصفقات الوقود ومشاريع التوليد يعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة لملف الكهرباء، ونشر نتائج التحقيقات والتقارير الرقابية للرأي العام، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في إهدار المال العام.
خاتمة
بعد سنوات من الوعود والاعتمادات المالية والمشاريع المعلنة، ما تزال عدن تعيش واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء في تاريخها الحديث.
ويبقى السؤال الذي يردده المواطنون مع كل انطفاء جديد: إذا كانت الأموال قد صُرفت والمشاريع قد أُعلنت والوقود قد تم شراؤه، فلماذا ما زالت المدينة تغرق في الظلام؟

قد يعجبك ايضا