الأمة بين سياط الولاية الصهيو-أمريكية ونور الولاية القرآنيّة العلوية
د. عبدالصمد علي المتوكل
«وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ».. تمر الأمة الإسلامية في هذا المنعطف التاريخي الحاسم بأخطر مراحل صراع الوجود والوعي؛ صراعٌ لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة في الميدان، بل تعداه ليكون فرزاً عميقاً وجوهرياً يضع الشعوب والنخب أمام خيارين لا ثالث لهما، ومسارين يحددان مصير ومستقبل هذه الأمة وموقعها بين الأمم. إنه صراع الهوية والتبعية، والحرية والارتهان، والذي يتلخص اليوم في التموضع بين ولايتين متناقضتين: “ولاية أمر صهيونية أمريكية إسرائيلية” تسعى للسيطرة والتركيع، وبين ولاية أمر إسلامية قرآنية محمدية علوية ترفع راية التحرر والعزة والكرامة.
فالولاية في مفهومها العام هي تولّي جهة ما لإدارة شؤون الأمة ورسم مسارها الفكري والسياسي والاقتصادي.
وهنا نرى مشروع “الولاية الصهيو-أمريكية” كمنظومة هيمنة شاملة تقودها واشنطن وتل أبيب، وتنفذها عبر أدوات إقليمية ومشاريع تطبيعية.
وتهدف هذه الولاية الاستكبارية الى مسخ الهوية وتزييف الوعي عبر الحروب الناعمة، وتحريف المناهج التعليمية، وتجريد الأمة من مكامن قوتها الإيمانية والتاريخية، حتى تقبل بالهزيمة النفسية كأمر واقع، ونهب الثروات والارتهان الاقتصادي وإبقاء الدول في حالة تبعية دائمة للمؤسسات المالية الدولية، وكذلك تصفية القضية الفلسطينية والعمل على عزل الشعوب عن قضاياها المركزية.
ففي ظل هذه الولاية، يُراد للمسلم أن يكون مجرداً من بأسِهِ، خاضعاً لأوامر البيت الأبيض، ومتقبلاً لإملاءات الصهاينة، وهو ما يمثل ذروة السقوط والتبعية التي حذر منها القرآن الكريم.
في الجبهة المقابلة تبرز الولاية الإسلامية القرآنية العلوية (منبع العزة والبصيرة)، حيث يقف محور الجهاد والمقاومة في اليمن، ولبنان، وإيران، والعراق، وغزة، مستنداً إلى جدارٍ عقائدي صلب لا يلين؛ جدار “الولاية الإيمانية” التي تمتد من القرآن الكريم، وتمر بالرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتتجسد منهجاً وموقفاً في تولي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأعلام الهدى من أحفاده، هذا الخط الإيماني ليس مجرد شعارات تُرفع، بل هو منظومة متكاملة لصناعة الإنسان والأمة الحرة
إن الاستناد إلى القرآن الكريم يمنح الأمة فرزاً دقيقاً للأعداء وأساليب مكرهم، ويحصن المجتمعات من الاختراق الثقافي والأخلاقي.
فالثقافة القرآنية هي ثقافة الاستبسال ثقافة رفض الطاغوت هذه الثقافة التي رأيناها متجسدة في روحية الكرار في خيبر والخندق، وعزيمته التي لم تنحنِ يوماً أمام الظلم. هذه الروحية هي التي جعلت المقاتل في محور الجهاد والمقاومة يواجه أحدث الترسانات العسكرية بيقينٍ فولاذي لا يتزعزع.
لقد رأينا الترجمة الفعلية لهذه الثقافة لمنهج الإمام علي في العمل والإنتاج وعدم الارتهان للأعداء، فتحول الحصار الشامل المفروض على دول هذا المحور إلى طاقة تصنيع عسكري وإنتاجي باهر، فصُنعت الصواريخ والمسيَّرات تحت ركام الحروب وسنوات التضييق.
إن أهم تجليات هذا الصراع المعاصر يتجسد في مفهوم “وحدة الساحات وتكامل الجبهات”، حيث أثمر الارتباط بالقيادة القرآنية المعاصرة — التي تمثل الامتداد الطبيعي لخط الغدير والولاية — تنسيقاً استراتيجياً غير مسبوق عَبَرَ الحدود الجغرافية ليصهر التضحيات في خندق واحد دفاعاً عن مقدسات الأمة ونصرة للمستضعفين.
الأمة اليوم تعيش زمن الفرز والغربلة الحقيقي؛ فالأحداث المتسارعة في المنطقة وضعت الجميع أمام مرآة الحقيقة. لم يعد هناك منطق للمواقف الرمادية؛ فإما تموضعٌ في خندق التبعية لولاية الطاغوت والاستكبار الصهيو-أمريكي، وإما ثباتٌ في خندق العزة والكرامة تحت راية الولاية المحمدية العلوية القرآنيّة.
إن المحصلة الحتمية لتدافع هاتين الولايتين تؤكد أن مشاريع التدجين والتركيع تسقط تباعاً أمام صخرة الوعي والبصيرة التي يحملها أحفاد الإمام علي ومجاهدوه.
إن القوة المادية، مهما بلغت غطرستها، تظل قاصرة وعاجزة أمام قوة العقيدة والارتباط بالمنهل الإلهي الصافي.
ومع كل منعطف ومواجهة، يثبت أحرار الأمة ومجاهدوها أنهم اختاروا طريق الحرية والكرامة، متمسكين بنهج التولي الذي رسمه رسول الله في يوم الغدير، وواثقين بالوعد الإلهي الذي لا يتخلف بأن العاقبة للمتقين، وأن النصر حيدريٌّ علويٌّ بامتياز.
«وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ».
