عيد الغدير.. حين تحوّلت الرسالة إلى مشروع أُمَّـة

محمد البحر المحضار

ما الذي يجعل يومًا من أَيَّـام التاريخ حاضرًا في وجدان الأُمَّــة بعد قرون طويلة؟ ولماذا ما زالت واقعةُ الغدير تستدعي هذا القدرَ من التأمل والاهتمام والجدل الفكري؟ أهو مُجَـرّد حدث تاريخي عابر، أم أنه محطةٌ مفصليةٌ ارتبطت بمستقبل الرسالة الإسلامية ومسار الأُمَّــة من بعدها؟

في الثامن عشر من ذي الحجّـة، عند غدير خم، وبعد أن أكمَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله حجّـةَ الوداع، وقف في جمعٍ عظيم من المسلمين ليبلّغ أمرًا إلهيًّا بالغ الأهميّة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.

وفي ذلك المشهد التاريخي رفع يدَ أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وقال: «من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه».

ومن منظور مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لم يكن الغدير مناسبةً لتكريم شخصية عظيمة فحسب، هو إعلانٌ واضحٌ عن امتدادِ خَطِّ الهداية بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله، وترسيخًا لمبدأ الولايةِ بوصفها ضمانةً لحفظِ الدين وصيانة الأُمَّــة من التفرُّق والاختلاف.

ومِن هُنا اكتسَبَ هذا اليوم مكانتَه الخَاصَّة حتى سُمّي بـ«عيد الله الأكبر»؛ لأنه يمثل اكتمالَ البناء الرسالي واكتمال النعمةِ الإلهية على المؤمنين.

لقد اجتمعت في شخصية الإمام علي عليه السلام خصالٌ قلَّ أن تجتمعَ في غيره؛ فهو أولُ المؤمنين، وبابُ مدينة علم النبي، وصاحب المواقف الخالدة في نصرة الإسلام، والرجل الذي جسّد العدل والزهد والشجاعة والحكمة في أبهى صورها.

ولذلك ظل حضوره يتجاوزُ حدود التاريخ ليبقى نموذجًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا تستلهمُ منه الأجيالُ معانيَ الحق والثبات والمسؤولية.

وعندما نستحضر الغدير اليوم، فإننا نستحضر قيمًا ما تزال الأُمَّــة بحاجة إليها؛ قيم الوفاء للرسالة، والتمسك بالحق، والارتباط بالقيادة التي تجمع بين العلم والعدل والتقوى. فالغدير في جوهره دعوةٌ دائمة إلى الوعي والبصيرة، وإلى بناء مجتمعٍ يستند إلى المبادئ لا إلى الأهواء.

أما بعد..

يبقى عيد الغدير، في الوجدان الإسلامي عُمُـومًا، مناسبةً لاستذكار عهدٍ إلهي عظيم، وتجديد الارتباط بقيم الولاية والهدى والعدل.

وما أحوج الأُمَّــة اليوم إلى استلهام تلك المعاني الجامعة التي أرادها رسول الله صلى الله عليه وآله طريقًا لوَحدتها وعزتها وكرامتها.

رُفِعَت الجَلْسَة

 

قد يعجبك ايضا