الثورة // تقرير
يمثل يوم الولاية -الثامن عشر من ذي الحجة- مناسبة إيمانية عظيمة يستحضر فيها اليمنيون ومن سار على هذا الهدي من المسلمين واحدة من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي، يوم أعلن فيه الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم ولاية الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- بعد عودته من حجة الوداع في حدث ارتبط بنزول قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.
وتأتي هذه المناسبة لتؤكد أهمية الشكر لله تعالى على نعمة الهداية واستكمال الدين، واستحضار المعاني العظيمة التي حملها هذا اليوم في بناء الأمة وحماية مسيرتها من الانحراف والضياع.
الغدير.. حقيقة تاريخية
يعد حديث الغدير من أشهر الأحاديث النبوية وأكثرها تواتراً في المصادر الإسلامية، حيث أجمع المؤرخون والمحدثون على وقوع حادثة غدير خم بعد حجة الوداع، عندما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين وخطب فيهم خطبته المشهورة قبل أن يعلن قوله: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه».
وقد وردت روايات الغدير في عشرات المصادر الإسلامية وذكرها عدد كبير من علماء الحديث والتاريخ، ما جعلها من الوقائع التاريخية الثابتة التي لا يختلف المسلمون حول أصل حدوثها، وإن اختلفت اجتهاداتهم في دلالاتها وتفسيراتها.
الولاية.. ضمانة لاستقامة الدين وحماية الأمة
يؤكد علماء اليمن المحقون أن مبدأ الولاية في الإسلام ليس قضية هامشية أو فرعية، بل يمثل أحد المبادئ الكبرى التي تحفظ للأمة وحدتها واستقامتها وتحافظ على فاعلية الرسالة الإلهية في واقع الحياة، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتفِ بإبلاغ الرسالة وتبليغ الأحكام، بل حرص على اتخاذ الإجراءات والترتيبات اللازمة لضمان استمرار مسيرة الدين بعده، بما يحفظ الأمة من التشتت والاختراق والانحراف.
وتشير النصوص القرآنية والنبوية إلى أهمية وجود القيادة الربانية التي تهدي الأمة وتقودها على أساس من العلم والحكمة والتقوى، باعتبارها امتداداً لمشروع الهداية الإلهية الذي أرسل الله به أنبياءه ورسله.
بين ولاية الله وولاية الطاغوت.
يرى مراقبون أن واقع الأمة الإسلامية اليوم يكشف بوضوح حجم الخسائر التي ترتبت على الابتعاد عن منهج الله في القيادة والولاية، حيث تعاني كثير من الشعوب الإسلامية من التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية لقوى الهيمنة والاستكبار العالمي.
ويستحضر كثير من المفكرين في هذا السياق قول الله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}، باعتبارها قاعدة قرآنية توضح الفارق بين ولاية قائمة على الرحمة والحكمة والهداية والرعاية، وولاية أخرى تقوم على الاستعباد والاستغلال والإخضاع.
ويشير الواقع المعاصر إلى أن الارتهان لقوى الهيمنة الدولية لم يجلب للأمة سوى المزيد من الضعف والتفكك والصراعات، في الوقت الذي تواصل فيه تلك القوى دعم مشاريع الاحتلال والعدوان على شعوب المنطقة.
القيادة الصالحة ضرورة لا غنى عنها.
وتبرز مناسبة يوم الولاية أهمية الحديث عن مواصفات من يتولى قيادة الأمة وإدارة شؤونها، إذ تؤكد النصوص الإسلامية أن المسؤولية الكبرى يجب أن تُسند إلى الأكفأ والأعلم والأزكى والأشجع والأقدر على حمل هموم الأمة والدفاع عن مصالحها.
ويؤكد متابعون أن الكثير من أزمات العالم الإسلامي تعود إلى غياب القيادة الراشدة التي تمتلك الرؤية والشجاعة والاستقلالية، مقابل وجود أنظمة وقيادات خضعت للضغوط الخارجية وأسهمت في إضعاف الأمة وتفكيك قدراتها، وقد من الله على شعبنا اليمني بالسيد العلم عبدالملك بن بدر الدين الحوثي قائدا ربانيا وقبله، السيد الشهيد حسين بن بدر الدين الحوثي من اختط أسس المسيرة القرآنية ووضع لبناتها لتغدو اليوم مشروعا عالميا للخلاص من براثن الظلم والاستكبار والهيمنة ومحاولات طمس معالم الهوية الإسلامية.
ومن الشواهد التي تؤكد أن التخلي عن ولاية من جاء القرآن بتأكيد ولايتهم من آل بيت النبي الأطهار لا يأتي إلا بالضعف والهوان واستمرأ الباطل والمثال الأقرب على ذلك ما يجري في غزة وفلسطين من جرائم وعدوان مستمر، باعتباره نموذجاً صارخاً لحالة العجز الرسمي العربي والإسلامي، وما نتج عنها من معاناة إنسانية كبيرة في ظل غياب المواقف التي ترتقي إلى حجم المسؤولية التاريخية والأخلاقية.
الولاية مشروع وحدة لا مناسبة للجدال
وفي الوقت الذي يستذكر فيه المسلمون هذه المناسبة، تبرز الدعوات إلى التعامل معها بروح مسؤولة وواعية، بعيداً عن أساليب الاستفزاز أو إثارة الخلافات والجدالات العقيمة التي لا تخدم الحقيقة ولا تسهم في تعزيز الوعي.
ويؤكد علماء ومفكرون: المقصود من إحياء يوم الولاية هو استلهام الدروس والعبر والقيم التي يحملها هذا الحدث العظيم، وفي مقدمتها التمسك بالحق والعدل والقيادة الصالحة ووحدة الأمة، لا الانشغال بالمهاترات التي تعمق الانقسامات وتبدد الجهود.
حضور واسع في الفعاليات
وتشهد مختلف المحافظات والساحات فعاليات جماهيرية وثقافية وخطابية لإحياء ذكرى يوم الولاية، تتضمن كلمات ومحاضرات وأنشطة متنوعة تستعرض الأبعاد الدينية والفكرية والتاريخية لهذه المناسبة، وتؤكد أهمية التمسك بقيم الولاية والارتباط بمنهج الله في مواجهة التحديات الراهنة.
كما تمثل المناسبة فرصة لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المسؤولية الجماعية في نصرة قضايا الأمة، وترسيخ مبادئ العدل والكرامة والاستقلال، واستحضار النموذج الذي مثله الإمام علي عليه السلام في العلم والشجاعة والزهد والعدالة وخدمة الناس.
ويبقى يوم الولاية، في وجدان المؤمنين، مناسبة لتجديد العهد مع
قيم الإسلام الأصيلة، واستذكار نعمة الله في إكمال الدين وإتمام النعمة، والتمسك بمنهج الهداية الذي يحفظ للأمة عزتها ووحدتها واستقلالها.
