الثورة نت| هاشم علي
في محاضرته الرابعة من دروس شهر ذي الحجة1447هـ ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، قدّم قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي قراءة شاملة لواقع الأمة، رابطاً بين الهوية الإيمانية والوحدة الوطنية، وبين الاستقلال السياسي والتحرر الاقتصادي، في خطاب اتسم بالوضوح والعمق، ولامس أبرز التحديات التي تواجه اليمن والمنطقة في ظل الهيمنة الأمريكية والصهيونية المتصاعدة.
المحاضرة جاءت كتشخيص فكري وسياسي واقتصادي متكامل، وضع فيه السيد القائد أسس حماية الوحدة اليمنية، وكشف أدوات السيطرة الخارجية، وحذّر من خطورة الارتهان الاقتصادي، داعياً إلى بناء اقتصاد إنتاجي مستقل يحرر الشعوب من التبعية والابتزاز.
الوحدة اليمنية.. بين الهوية والاستقلال
استهل السيد القائد محاضرته بالحديث عن ذكرى الوحدة اليمنية، معتبراً إياها “استحقاقاً وطنياً عظيماً” ينبغي الحفاظ عليه وترسيخه على أسس صحيحة، مؤكداً أن التجارب منذ قيام الوحدة وحتى اليوم أثبتت أن الخطر الحقيقي عليها يتمثل في عاملين رئيسيين: الأطماع الداخلية والارتهان للخارج.
وأوضح أن الهوية الإيمانية الجامعة تمثل الضمانة الأساسية لوحدة الشعب اليمني، مستشهداً بالآية الكريمة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، باعتبارها العنوان الحقيقي الذي يحفظ التماسك الوطني ويمنع تمزيق المجتمع عبر النعرات الطائفية والمناطقية والحزبية.
وأشار إلى أن القوى الخارجية، وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا والسعودية وكيان العدو، تعمل باستمرار على تفكيك المجتمع اليمني وإضعافه؛ بهدف إبقائه خاضعاً للهيمنة السياسية والاقتصادية، مؤكداً أن النهج التحرري والتمسك بالاستقلال هو العامل الثاني الضامن لوحدة اليمن وسيادته.
المقاطعة.. سلاح وعي ومواجهة
انتقل السيد القائد إلى الحديث عن المقاطعة الاقتصادية، مستلهماً دلالات الآية الكريمة: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}، موضحاً أن القرآن قدّم نموذجاً عملياً للمقاطعة حتى على مستوى الألفاظ والكلمات عندما تتحول إلى أداة يستفيد منها العدو.
ومن هذا المنطلق، شدد على أن مقاطعة البضائع الأمريكية والصهيونية ليست مجرد موقف عاطفي أو رد فعل سياسي، بل واجب ديني وأخلاقي وإنساني، لأنها تمنع تحويل أموال الأمة إلى أدوات تمويل للعدوان والقتل والإفساد.
وبيّن أن القوى المعادية تعتمد بشكل أساسي على القوة الاقتصادية والتمويل المالي لتثبيت نفوذها وتنفيذ مشاريعها العدوانية، فيما تتحول الأسواق العربية والإسلامية إلى مصدر هائل لتمويل تلك القوى، سواء عبر الاستهلاك أو عبر استنزاف الثروات والمواد الخام.
وأكد أن المقاطعة تمثل وسيلة ضغط مؤثرة وفاعلة، مستشهداً بحالات تكبدت فيها شركات داعمة للكيان الصهيوني خسائر كبيرة نتيجة حملات المقاطعة الشعبية في عدد من الدول.
نهب الثروات وفقر الشعوب
في سياق حديثه عن الهيمنة الاقتصادية، كشف السيد القائد كيف تُستخدم الثروات العربية والإسلامية لخدمة الاقتصاد الأمريكي والغربي، بينما تبقى الشعوب غارقة في الفقر والبطالة والأزمات المعيشية.
وأشار إلى أن تريليونات الدولارات من الأموال العربية والإسلامية مستثمرة في أمريكا والغرب، وتُستخدم لإنقاذ اقتصاداتهم من الانهيار، في الوقت الذي تعاني فيه شعوب المنطقة من الحرمان والتخلف.
كما تطرق إلى النهب المنظم للثروات في أفريقيا والعالم العربي، مستشهداً بما تتعرض له بلدان غنية بالمعادن والثروات الطبيعية من استنزاف ممنهج، مقابل إبقاء شعوبها في أسوأ الظروف الاقتصادية والإنسانية.
وفي الشأن اليمني، أكد أن التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها السعودية، عملت لعقود على منع اليمن من استثمار ثرواته النفطية والاقتصادية؛ بهدف إبقاء الشعب اليمني في حالة تبعية وعوز دائم.
الاقتصاد الإنتاجي.. طريق التحرر
اعتبر السيد القائد أن أخطر ما واجهته الأمة خلال العقود الماضية هو تكريس ثقافة “الاستهلاك والاستيراد” على حساب الإنتاج المحلي، حتى أصبحت معظم البلدان العربية تعتمد على الخارج في أبسط احتياجاتها الأساسية.
وأوضح أن هذا النمط الاقتصادي حوّل الشعوب إلى رهينة بيد أعدائها، الذين يستخدمون الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية كسلاح ضغط وسيطرة.
وأكد أن الحل الحقيقي يبدأ بالتحول نحو الاقتصاد الإنتاجي، وتشجيع الزراعة والصناعة المحلية، واستثمار رؤوس الأموال داخل البلدان بدلاً من توجيهها نحو الأسواق الأجنبية.
وأشار إلى أن اليمن يمتلك مقومات هائلة للنهوض الاقتصادي، سواء في المجال الزراعي أو الصناعي أو الثروات الطبيعية، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية وسياسات اقتصادية وطنية تركز على الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
كما دعا إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية دعم المنتج المحلي، وتحويل المقاطعة إلى فرصة لبناء اقتصاد وطني قوي ومستقل.
معركة وعي وسيادة
المحاضرة عكست بوضوح أن المواجهة مع الهيمنة الأمريكية والصهيونية ليست معركة عسكرية فقط، بل معركة وعي واقتصاد وثقافة واستقلال قرار.. وفي الوقت الذي تتجه فيه قوى الهيمنة إلى إحكام قبضتها على مقدرات الشعوب وثرواتها وأسواقها، شدد السيد القائد على أن التحرر الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان الواعي، والاقتصاد المستقل، والتمسك بالهوية الإيمانية الجامعة.
كما حملت المحاضرة رسالة واضحة بأن مستقبل الشعوب لا يمكن أن يُبنى على الارتهان للخارج أو الاعتماد على الاستيراد والاستهلاك، بل على الإنتاج والسيادة والاستقلال، باعتبارها الأساس لأي نهضة حقيقية تحفظ الكرامة والحرية والثروات.
