معركة الوعي في وجه إعلام موجَّه يسعى لفرض الضعف والهزيمة

عبدالحكيم عامر

 

 

في خضمّ التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز دور الإعلام بوصفه أحد أهم أدوات التأثير غير المباشر في الصراعات السياسية والعسكرية، حيث لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في بناء التصورات العامة، وتوجيه الرأي العام، وصناعة الإحساس الجمعي بالقوة أو الضعف، بالنصر أو الهزيمة، وصناعة الإدراك السياسي لدى الشعوب، وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة توجه إعلامي لدى الأعداء وبعض الأنظمة العربية، خصوصًا الخليجية منها، يسعى إلى إعادة صياغة المشهد الإقليمي بطريقة تميل إلى إظهار الأمة في حالة ضعف دائم، وتصوير أي مشروع مقاوم أو موقف مناهض للهيمنة بوصفه غير قابل للاستمرار أو عاجز عن تحقيق النتائج.
يتسم الخطاب الإعلامي في بعض الوسائل المرتبطة بأنظمة إقليمية معينة بتركيز واضح على تقديم المشهد العام للأمة في حالة من العجز البنيوي والاستسلام الحتمي، عبر بناء سردية تقوم على تضخيم قوة العدوان الأمريكي والإسرائيلي وحلفائهما، مقابل تبخيس أي عمل مقاوم أو عمليات عسكرية تنفذها قوى محور المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران، وفي المقابل، يتم التعامل مع أي إنجاز أو اختراق ميداني من جانب هذا المحور، سواء في البر أو البحر أو الجو، بمنطق التشكيك أو التقليل أو إعادة التأويل بما يخدم الرواية المقابلة، في حين يجري تهويل أي تحرك من جانب العدو وإظهاره بوصفه حاسماً ومطلق التفوق.
أحد أخطر أبعاد هذا التوجه الإعلامي يتمثل في كونه لا يكتفي بتغطية الحدث، بل يسعى إلى التأثير في الحالة النفسية العامة للشعوب، قوامها الإيحاء بأن الهزيمة قدر محتوم، وأن أي مشروع للمواجهة للعدو أو الصمود هو مجرد مغامرة بلا أفق، وأن الخيار الوحيد المتاح أمام شعوب المنطقة هو الاستسلام أو التكيف مع شروط الهيمنة، هذه الرسائل المتكررة، المباشرة وغير المباشرة، تساهم في تشكيل وعي جمعي قائم على الإحباط، وإضعاف روح الجهاد والمقاومة والمبادرة، ومحاربة أي توجه يدعو إلى المقاومة أو رفض التبعية.
ولا يقتصر هذا النهج على جبهة واحدة، بل يمتد ليشمل محاولات متواصلة لتشويه صورة كل مكونات محور المقاومة في فلسطين ولبنان وإيران واليمن والعراق، من خلال حملات إعلامية متكررة تستهدف النيل من شرعية هذا الموقف أو التشكيك في دوافعه أو تضخيم التحديات التي يواجهها، في مقابل تقديم صورة منسجمة مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للصراع في المنطقة.
وفي العمق، يمكن قراءة هذا التوجه باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لإعادة توجيه وعي الأمة بعيدًا عن مصادر قوتها الحقيقية، وإبعادها عن التفاعلات المنسجمة مع هويتها القرآنية ومصالحها الاستراتيجية، ودفعها نحو مسارات التطبيع والقبول بالأمر الواقع الذي تفرضه قوى الهيمنة، ويتم ذلك عبر تفكيك الثقة بالمواقف الرافضة للعدوان، بحيث يُنظر إلى العدو بوصفه قوة لا تُقهر، ويُنظر إلى المقاومة بوصفها عبئًا أو تهديدًا للاستقرار، في حين يجري تغييب السياق الحقيقي للصراع القائم على الاحتلال والهيمنة ونهب الثروات.
إن مواجهة الآلة الإعلامية الضخمة للأعداء تسعى إلى تكريس الهزيمة النفسية وتشويه الوعي، يبقى التحدي الحقيقي أمام إعلام المقاومة ليس فقط من موقع ردّ الفعل أو تفنيد الروايات المعادية بشكل متقطع، بل بالانتقال نحو بناء مشروع إعلامي متكامل، يمتلك أدواته وخطابه ورؤيته الاستراتيجية، فالمعركة اليوم لم تعد فقط معركة ميدان، بل معركة إدراك تُحسم نتائجها في وعي الشعوب قبل ساحات القتال.
كما أن تعزيز الوعي الشعبي يمثل خط الدفاع الأول، من خلال نشر ثقافة التحقق، وكشف أساليب التضليل، وتحصين الشعوب من الانجرار خلف حملات الإرجاف واليأس، فالشعب الواعي لا يُهزم بسهولة، حتى في ظل تفوق إعلامي تقني لدى الخصم.

قد يعجبك ايضا