الصرخةوالمقاطعة.. نهجُ الأنبياء وسلاحُ الأمة في مواجهة الاستكبار

 

الثورة  / وفاء الكبسي
الصرخة هي امتدادٌ أصيل لنهج الأنبياء والأولياء، ذلك النهج الذي قام على إعلان الحق، وكشف الباطل، ورفض الخضوع للطغيان مهما بلغت كلفته.
فالأنبياء – عليهم السلام – لم يكونوا دعاة صمتٍ أو مساومة، بل كانوا أهل موقفٍ وبلاغ، يصدعون بكلمة الحق في وجه الجبابرة، ويعلنون البراءة من الظلم وأهله. من قول نبي الله إبراهيم -عليه السلام-: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، إلى موقف موسى -عليه السلام- في مواجهة فرعون، إلى خاتم الأنبياء محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- الذي جهر بالدعوة في وجه قريش… كانت الصرخة حاضرةً كفعلٍ إيماني واعٍ، لا يقبل المواربة ولا التراجع.
وفي واقعنا المعاصر، جاءت الصرخة في مشروع الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي – رضوان الله عليه – لتعيد إحياء هذا النهج الأصيل، وتضع الأمة أمام مسؤوليتها في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وساد فيه الصمت، وتراجعت فيه مواقف البراءة من قوى الاستكبار.
حين أطلق الصرخة في مطلع عام 2002م، لم يكن يواجه حدثًا عابرًا، بل كان يستشرف مرحلةً كاملة من الهيمنة الأمريكية والصلف الصهيوني، مرحلةً تُفرض فيها على الأمة معادلة الخضوع أو الإقصاء، وتُصاغ فيها المفاهيم بما يخدم قوى الاستكبار. فجاءت الصرخة إعلانًا صريحًا للبراءة من هذا الواقع، ورفضًا واعيًا للانخراط في مشروعه.
ولم تكن الصرخة موجهة ضد الشعوب أو الأديان، بل كانت موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا واضحًا ضد سياسات الهيمنة، وضد منظومة العدوان التي تستهدف الشعوب المستضعفة ومقدراتها وهويتها.
غير أن الصرخة – في منهج الأنبياء – لم تكن يومًا مجرد إعلانٍ لفظي، بل كانت بداية فعل. فالكلمة تقود إلى موقف، والموقف يُترجم إلى سلوك. وهنا تتجلى الحقيقة التي أراد الشهيد القائد ترسيخها أن الصرخة لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى واقعٍ عملي، وفي مقدمة ذلك المقاطعة الاقتصادية.
فالمقاطعة ليست ردّة فعلٍ آنية، ولا خيارًا ثانويًا بل هي الامتداد الطبيعي للصرخة، وترجمتها الواقعية في حياة الناس. إنها إعلان براءةٍ بالفعل، لا بالقول فقط، ورفضٌ عملي لأن يكون الإنسان جزءًا من منظومة تمويل الظلم والعدوان.
لقد حذّر الشهيد القائد – برؤيته القرآنية – من أخطر أشكال التناقض الذي تعيشه الأمة: أن تلعن عدوها بلسانها، ثم تدعمه بسلوكها. ومن هنا شدّد على أن المقاطعة تمثل سلاحًا استراتيجيًا ممكنًا، في متناول الجميع، لا يحتاج إلى إمكانيات خارقة، بل إلى وعيٍ وإرادة.
فمعركة الأمة ليست عسكرية فقط، بل معركة شاملة، في مقدمتها البعد الاقتصادي، حيث يعتمد العدو على أسواق هذه الأمة وثرواتها. ومن هنا، فإن الاستمرار في استهلاك منتجاته يعني الإسهام في تقويته، بينما تمثل المقاطعة ضربًا مباشرًا في عمق مصالحه.
وهذه الرؤية يواصل التأكيد عليها قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي يبيّن أن المقاطعة ليست مجرد موقف اقتصادي، بل مسؤولية دينية وأخلاقية، وسلاح فعّال في مواجهة العدو، وفرصة لتعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق قدرٍ من الاستقلال الاقتصادي.
ومن اللافت أن الطرح القرآني الذي استند إليه هذا المشروع لا يقتصر على المقاطعة في بعدها الاقتصادي، بل يتجاوزها إلى إغلاق كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها العدو، حتى في أبسط المستويات، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، في دلالة واضحة على أن حماية الأمة تبدأ من وعيها، ومن ضبط سلوكها، ومن رفض كل ما يخدم عدوها.
وفي ظل ما تعيشه الأمة اليوم من تصعيدٍ في العدوان، خصوصًا على الشعب الفلسطيني، وما تتعرض له غزة من إبادةٍ وحصار، إلى جانب الاستهداف المستمر لليمن ولبنان وإيران… تتجدد الحاجة إلى هذا الوعي، وإلى تفعيل هذا السلاح.
فالمقاطعة لم تعد خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبحت من أقل الواجبات، وأكثرها تأثيرًا، وأوسعها قدرةً على إشراك الجماهير في معركة المواجهة.
فالصرخة تعيد ترتيب المفاهيم، وتكشف العدو، وتحرر الوعي، وحين يجتمعان نكون أمام معادلةٍ قرآنية متكاملة تستعيد نهج الأنبياء، حيث لا ينفصل القول عن الفعل، ولا الإيمان عن الموقف، وبهما – بإذن الله – تُكسر معادلات الهيمنة، وتُستعاد كرامة الأمة.

قد يعجبك ايضا