الصرخة في مواجهة مشاريع الاستلاب

بشار الشعلاني

 

تمثل الذكرى السنوية للصرخة في وجه المستكبرين هذا العام محطةً سياسيةً بامتياز، تتجاوز إحياء المناسبة لتضعنا أمام تحليلٍ دقيق لمآلات الصراع الراهن في المنطقة. ففي ظل الاندفاع المحموم نحو “التطبيع” والتبعية الكاملة للمشروع الأمريكي الصهيوني، تبرز الصرخة كأداة تحصينٍ استراتيجية تمنع استلاب الهوية وتفكك مفردات “التدجين” التي تُراد للأمة. إن المعركة اليوم لم تعد مقتصرة على المواجهة العسكرية في الميادين، بل انتقلت إلى عمق الوعي الشعبي، حيث يسعى العدو لفرض “معادلة الاستباحة” التي تُجرم حتى كلمة الاحتجاج.

​إن القراءة الفاحصة للمشهد السياسي تكشف أن “تكميم الأفواه” الذي تفرضه الأنظمة الموالية لواشنطن ليس إلا جزءاً من مخططٍ أوسع لإخلاء الساحة من أي موقفٍ مناهض للظلم. ومن هنا، تكتسب الصرخة قيمتها التحليلية كفعلٍ سياسي يكسر حالة الجمود، وينقل الجماهير من التلقي السلبي لإملاءات الأعداء إلى مستوى الموقف الحق. هذا التحول هو الذي منح اليمن القدرة على بناء منعةٍ داخلية صلبة، حالت دون نجاح الاختراقات الاستخباراتية والثقافية التي عصفت بدولٍ أخرى تملك إمكانات مادية أكبر، لكنها تفتقر إلى سلاح الموقف والوعي.

​علاوة على ذلك، فإن الشعار نجح في تعرية عناوين “الخداع” التي يتشدق بها الغرب، كحقوق الإنسان والديمقراطية، حين كشفت الأحداث في غزة ولبنان زيف هذه الادعاءات أمام آلة القتل الصهيونية. إن اليمن، بتمسكه بهذا المشروع القرآني، لم يعد مجرد رد فعل، بل صار قوةً فاعلة تؤسس لنموذجٍ جديد في العلاقات الدولية؛ نموذج يرفض الوصاية ويؤمن بأن قرار الأمة يجب أن ينبع من هويتها وثقافتها الأصيلة. إن الهلع الصهيوني من تعميم ثقافة الصرخة يثبت جدواها في إفساد مخططات “تجزئة المعركة”، حيث أعاد الشعار ضبط بوصلة العداء نحو المحتل الحقيقي، مانعاً محاولات صرف الأنظار نحو صراعات جانبية تخدم المستكبرين.

​ختاماً، إن الرهان على هزيمة هذا الوعي عبر الحصار أو التشويه الإعلامي هو رهانٌ فاشل، لأن “الموقف الحق” قد تجذر في وجدان الشعب اليمني وصار جزءاً من هويته السيادية. إننا أمام مرحلةٍ تاريخية لا تقبل أنصاف المواقف، فإما الاستسلام لمشروع الاستعباد الصهيوني، أو المضي قدماً في مشروع التحرر والكرامة. إن الصمود اليمني اليوم هو البرهان العملي على أن الشعوب التي تمتلك الشجاعة لقول “لا” في وجه الطاغوت، هي وحدها القادرة على صياغة مستقبلها بيديها، بعيداً عن غطرسة الهيمنة القطبية الواحدة.

قد يعجبك ايضا