في ذاكرة الشعوب لا تموت المجازر، ولا تُمحى الفظائع، بل تظل حيّةً تتوارثها الأجيال، كجزءٍ من الوعي الجمعي والهوية الوطنية، تُستعاد كلما حاول الزمن أن يغطيها، فتعود أكثر حضورًا، وأشد إيلامًا.
20 إبريل 2015م، ليته يوم ينتسى، ولم يُكتب بالنار، ويحفر في الذاكرة كجرحٍ لا يلتئم، لم يغادر وجدان اليمنيين، لم يكن المشهد في صنعاء مجرد انفجارٍ عابر، بل لحظةً انكشفت فيها وحشية العدوان بأقسى صورها.
عمودٌ من اللهب شقّ السماء، وسحابةٌ خانقة ابتلعت المدينة، وأرضٌ اهتزت بمن عليها، كأنها تئن تحت ثقل الجريمة.
في لحظاتٍ خاطفة، تبدّلت الحياة، بيوت سُويت بالأرض، وأجساد بريئة تمزقت بلا ذنب، وأحياءٌ سكنية تحولت إلى ساحة فزعٍ لا يُحتمل، المستشفيات امتلأت قبل أن تُحصى الأسماء، والدم كان اللغة الوحيدة التي يفهمها المكان، والاستغاثات ترتفع أسرع من قدرة أحدٍ على الإجابة.
وفي حصيلةٍ موثّقةٍ لهذه الجريمة، استشهد 25 مواطنًا، وأُصيب 398 آخرون، معظمهم من النساء والأطفال، جراء استهداف طيران العدوان للأحياء السكنية في منطقة فج عطان وحدة بالعاصمة صنعاء.
لم تكن الأرقام مجرد إحصاء بل كانت أسماءً، وأحلامًا، ووجوهًا انطفأت دفعةً واحدة.
الأطفال ارتجفت أصواتهم، النساء احتمين بالدعاء، والمدينة التي فقدت ملامحها في لحظة، كل ذلك لم يكن أثر انفجارٍ فقط، بل أثر جريمةٍ تعمّدت أن تصيب الحياة في قلبها. ولهذا لم يكن غريبًا أن يسميها الناس “هيروشيما اليمن”، فما شهدوه لم يكن مألوفًا، ولا يمكن تفسيره لأنه تجاوز كل حدود الحرب إلى معنى الإبادة.
لكن الأشد قسوة من الانفجار، هو ما بقي بعده الخوف الذي استقر في قلوب الأطفال، الصورة التي لا تغادر الذاكرة، والبيوت التي لم تعد كما كانت، والأسماء التي غابت وبقيت حاضرة في كل زاوية.
إن جريمة عطان ليست صفحةً في الماضي، بل ستظل شاهداً دائماً على أن العدوان حين يستهدف الشعوب، فإنه يستهدف وجودها، وأمنها، وحقها في الحياة.
ستظل قضية حقٍ لا يسقط، وجريمةٌ لا تسقط بالتقادم، ومسؤوليةٌ ستظل تلاحق مرتكبيها مهما حاولوا الهروب، وستظل علامةً في ذاكرة الوطن، ووجعاً لن يُنسى.
