ثمن باهظ للحماقة

يكتبها اليوم / وديع العبسي

واحدة من أهم الحقائق التي كشفت عنها النكسات التي منيت بها أمريكا خلال ما بعد تورطها في محاولة إنقاذ الكيان الصغير من الوحل الذي سقط فيه عقب ملحمة 7 أكتوبر، هي ذوبان الجليد الاصطناعي عن ما عملت أمريكا على زرعه في ذهنية العالم وهي أنها بما تملك وبصدارتها للعالم، دولة لا تهزم.

حتى وقت قريب كان من المثير للسخرية والاستخفاف بل ومن الأمور التي يرى الكثير بأنها خارجة عن العقل والمنطق، هو القول بأن أمريكا يمكن أن تسقط أو تنهزم في أي مواجهة عسكرية، فكيف عندما يصل الحديث إلى الإقرار بانها تتعرض فعليا لهزيمة، وأن قدراتها لم تعد تساعدها حتى على الانسحاب في بعض الأحيان، كحال الورطة اليوم مع الجمهورية الإسلامية.

لا شك بأن العقل سيكون بحاجة لكثير من الوقت كي يستوعب المعطى الجديد، ولن يكون ذلك ممكنا حتى يتم تفكيك كل تلك الصور الذهنية التي رُسمت مع كم الترويج والتضخيم والتهويل عن القدرات الأمريكية.

اليوم أصبح واضحا أن الغرور الترامبي، قد ورط بلاده لتقع في دائرة الانكشاف والتعري، الرجل تجاهل كل مؤسسات الولايات المتحدة وحتى دستورها، وثقته المفرطة دفعته لمعركة مع الجمهورية الإسلامية باتجاه واحد، لذلك فإنه لما غرق لم يعرف كيف يخرج، وهو ما زاد من فاتورة خسائره، وجعل العالم بأسره يتحدث عن ضربات يتلقاها جيشه، وانهيار لمعادلة الردع و»تفسخ» الهيبة المزعومة، وهو العالم الذي ظل حتى عام 2023 يرى في أمريكا القوة الخرافية.

بدأ العالم إذن يألف مشاهد لم تكن متخيلة لضربات يتلقاها الجيش الأمريكي «الذي لا يُقهر»، أو استهدفت مبنى أو سفينة ترفع العلم الأمريكي، فكيف حين يكون في المشهد قواعد عسكرية كانت تعد قلاعا حصينة من المستحيل الاقتراب منها، جرى إنشاؤها على مدى عقود وكلفت تريليونات الدولارات، وبوارج وحاملات طائرات كانت تمثل أهم مظاهر الردع الأمريكي لأنظمة العالم.

الإرادة الإسلامية الرافضة للظلم والخضوع لمخططات الاستباحة، والهيمنة على الأرض والمقدرات على طريق تمكين العدو «الإسرائيلي»، كسرت حواجز كل التهيب والتأثُر بالدعايات الأمريكية المعتادة ذات المنحى الإرهابي، وترجمت الجبهة الإسلامية ذلك عمليا بالوصول بعملياتها البطولية إلى أماكن كان ولا يزال من المستحيلات على كل دول العالم الوصول اليها، على افتراض أن تتجرأ هذه الدول باتخاذ قرار مواجهة أمريكا أو حتى مجرد «الإساءة» إلى الكيان الإسرائيلي.

وعلى ضوء ذلك جاء الرد الإيراني موجعا، وازداد تعقيدا مع وصول الأعداء إلى نهاية ما يمكن أن يبذلوه من الجهد ويستخدموه من السلاح، بينما الجيش الإسلامي ظل على ذات الوتيرة من إرادة التأديب لهذه الكائنات الشيطانية.

بعدها وبكل تأكيد لن يعود الحال إلى ما كان عليه، فعلى مستوى إعادة ما دمرته الصواريخ والمسيّرات الإيرانية سيتطلب الأمر شهورا طويلة، بينما التطبيع مع واقع ما بعد الحرب قد يتطلب سنوات، لكنه أيضا لن يستطيع بأي حال ترميم الشروخ العميقة التي أصيبت بها مكانة الامبراطورية الأمريكية.

كما الأكيد أيضاً أن الثمن الباهظ الذي ستدفعه أمريكا بسبب حماقتها هذه بعد حماقاتها منذ السابع من أكتوبر أنها ستسقط حتما من صدارة العالم، لم يتبق إلا القليل.

قد يعجبك ايضا