الثورة / زينب عبدالوهاب الشهاري
تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر مراحل الفرز التاريخي والاستراتيجي. وفي خضم دويّ المدافع، تنشط آلة الدعاية الغربية والصهيونية في خوض «معركة وعي» موازية، تهدف إلى إعادة هندسة الإدراك العربي والإسلامي. ترتكز هذه الدعاية على سردية خادعة تختزل الصراع الوجودي الممتد في كونه مجرد «أزمة إسرائيلية – إيرانية»، أو صراع نفوذ إقليمي طارئ. إن تفكيك هذه السردية ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي للأمة، فالتاريخ وعلم الجيوبوليتيك (الجغرافيا السياسية) يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أن المعركة تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية، لتشكل حرب إبادة سياسية وعسكرية واقتصادية تستهدف الأمة العربية والإسلامية بأسرها.
لفهم أبعاد هذه المعركة المعقدة، يجب إعادة قراءة المشهد وفق الحقائق والشواهد الاستراتيجية التالية:
أولاً: الأطماع التأسيسية.. العرب هم الضحية الأولى والهدف الدائم
إن محاولة تصوير إسرائيل كدولة تدافع عن نفسها في وجه «خطر إيراني» هي محاولة لمحو الذاكرة التاريخية. فالمشروع الصهيوني وُلد من رحم استهداف الجغرافيا العربية والدم العربي، وعقيدته العسكرية تأسست على إلغاء الوجود العربي قبل عقود طويلة من ولادة الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979م.
* الشواهد التاريخية للاستهداف المبكر:
* العدوان الثلاثي (1956م): تآمرت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا لضرب مصر وإجهاض مشروع القومية العربية وتأميم قناة السويس. لم تكن إيران آنذاك جزءاً من المعادلة، بل كانت إسرائيل تعتبر أي نهضة عربية تهديداً وجودياً لها.
* حرب 1967م والتوسع الجغرافي: احتلت إسرائيل أراضي ثلاث دول عربية (سيناء من مصر، الجولان من سوريا، والضفة الغربية والقدس من الأردن)، لتبدأ مرحلة سرقة الموارد المائية والزراعية العربية، وهو ما يثبت أن التوسع الجغرافي الاستيطاني هو جوهر الكيان.
* مجازر ما قبل «محور المقاومة»: سجل إسرائيل الدموي ضد العرب (دير ياسين، كفر قاسم، مدرسة بحر البقر في مصر، قانا في لبنان) نُفذ في مراحل لم تكن فيها إيران لاعباً في الصراع، مما يؤكد أن استباحة الدم العربي هي سياسة إسرائيلية ثابتة ومستقلة عن أي ذريعة أخرى.
* النصوص والوثائق التأسيسية:
* صرح دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، قائلاً: «إن خريطة إسرائيل ليست هي خريطة الدولة، بل خريطة أينما يتواجد الشعب اليهودي». هذا النص ينسف فكرة «الحدود الآمنة» ويؤكد أن المشروع الإسرائيلي هو مشروع إحلالي مفتوح الشهية لابتلاع المزيد من الدول العربية.
* عقيدة «بن غوريون» للأمن القومي (1953م): نصت بوضوح على أن الخطر الحقيقي يكمن في «الكتلة العربية المجاورة»، ولضمان بقاء إسرائيل يجب إبقاء هذه الدول العربية في حالة استنزاف دائم، وتفتيت أي محاولة للوحدة بينها.
ثانياً: استهداف إيران.. المعبر الاستراتيجي لابتلاع العالم العربي والإسلامي
لا ينظر العقل الاستراتيجي الإسرائيلي والأمريكي إلى إيران اليوم باعتبارها مجرد دولة معادية، بل كـ «عقدة جيوسياسية» تعرقل مشروع الهيمنة الشاملة. إن الحرب على محور المقاومة، وفي القلب منه إيران، هي خطوة ضرورية وتمهيدية لتعبيد الطريق نحو السيطرة المطلقة على مقدرات العرب والمسلمين.
* مشروع »الشرق الأوسط الجديد« والتطويق الاقتصادي:
* في كتابه «الشرق الأوسط الجديد» (1993)، وضع شيمون بيريز رؤية لاحتلال المنطقة اقتصادياً، حيث تكون إسرائيل هي «العقل المدبر والمركز التكنولوجي»، والدول العربية هي «الأيدي العاملة والأسواق الاستهلاكية». لكي ينجح هذا المشروع، يجب سحق أي قوة تتبنى خيار «المقاومة» وترفض الخضوع، وتعتبر إيران الداعم اللوجستي الأكبر لهذه القوى.
* وثيقة «اختراق نظيف» (A Clean Break – 1996): أعدت هذه الوثيقة بقيادة ريتشارد بيرل لنتنياهو، ونصت على ضرورة التخلص من عبء “السلام” والبدء في تشكيل بيئة استراتيجية جديدة عبر إسقاط الأنظمة العربية القوية (العراق وسوريا) وعزل إيران. استهداف طهران اليوم هو استكمال حرفي لهذه الوثيقة لترك الدول العربية بلا أي عمق استراتيجي أو حليف إقليمي.
* خطة “برنارد لويس” وتفتيت الأمة: تعتمد الاستراتيجية الصهيونية على مشروع برنارد لويس (المقَر أمريكياً في الثمانينيات)، والذي يدعو إلى “بلقنة” العالم العربي والإسلامي وتقسيمه إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة. إسرائيل تدرك أن محور المقاومة (الذي يضم فصائل سنية وشيعية وعربية وغيرها) يمثل حائط الصد الأبرز ضد هذا التشظي، وبالتالي فإن ضرب المركز الداعم (إيران) يعني انهيار هذا الجدار الدفاعي وتسريع تفتيت المنطقة.
ثالثاً: حتمية المعركة ومبدأ “الأمن القومي المتكامل”
أمام هذا التغول، يسقط مفهوم “الحياد الإيجابي” أو “النأي بالنفس”. إن الدخول في المواجهة ضد إسرائيل، ودعم جبهات الإسناد في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران، لم يعد خياراً تضامنياً، بل هو واجب تمليه ضرورات البقاء وقواعد الدفاع الاستباقي.
* سقوط أوهام معاهدات السلام: أثبتت العقود الماضية أن اتفاقيات “كامب ديفيد”، و”وادي عربة”، و”أوسلو”، لم توفر أمناً للدول الموقعة. إسرائيل تنتهك السيادة وتخطط للتهجير القسري (ترانسفير) للفلسطينيين نحو مصر والأردن لإنهاء القضية على حساب أمن هذه الدول. إسرائيل لا تُردع بالورق، بل بتوازن القوة الديموغرافي والعسكري.
* استراتيجية «الدفاع المتقدم» ووحدة الساحات: في العلوم الاستراتيجية، الأمن القومي لا يُحمى عند خطوط الحدود المباشرة، بل خارجها. الانخراط في المعركة اليوم يهدف إلى تشتيت آلة الحرب الإسرائيلية واستنزافها على جبهات متعددة. إذا سقطت غزة ولبنان وطهران، فإن إسرائيل ستتفرغ لإخضاع بقية العواصم العربية واحدة تلو الأخرى، وفرض إملاءاتها العسكرية والسياسية، وتمرير مشاريع سيادية كبرى مثل «الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي» الذي يهدف لجعل إسرائيل المركز التجاري للعالم على حساب قناة السويس والموانئ العربية.
* المحددات الدينية والقرآنية: يتطابق هذا التحليل الاستراتيجي مع السنن الإلهية والموجهات القرآنية. القرآن الكريم لا ينظر للتهديدات بمعزل عن بعضها، بل يؤسس لمبدأ «الأمن الجماعي للأمة». يتجلى ذلك في قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)، فالسكوت عن التمدد الصهيوني هو تمكين للفساد المطلق في الأرض العربية والإسلامية. كما أن التخندق في وجه المشروع الإسرائيلي يجسد تطبيقاً عملياً لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ)، حيث لا يمكن صد هذا الهجوم الشامل إلا بجبهة عريضة موحدة متراصة، تسقط الحدود المصطنعة وتواجه الخطر المشترك.
خلاصة القول: لا مناص من المواجهة
إن المعركة الحالية هي معركة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط؛ فهي إما أن تؤسس لقرن من الهيمنة الصهيونية المطلقة والعبودية السياسية لدول المنطقة، وإما أن تكون نقطة الانكسار التاريخي لمشروع «إسرائيل الكبرى». الحرب الإسرائيلية على طهران هي في حقيقتها قصف تمهيدي لإخضاع الرياض والقاهرة وبغداد وعمان. لذا، فإن استنهاض الأمة، وتبني خيار «وحدة الساحات»، وتوجيه كل مقدرات القوة الشاملة (عسكرياً، واقتصادياً، وإعلامياً) نحو مواجهة هذا الكيان، هو السبيل الأوحد لمنع سقوط المنطقة في براثن استعمار جديد لا يرحم. إنها ببساطة معركة «نكون أو لا نكون».
