العيد كفعل مقاوم.. كيف تحولت أسواق وأحياء اليمن إلى ميادين لإظهار إرادة اليمنيين في صناعة حياة لا تنهزم برهانات الأعداء؟

صنعاء في العيد.. ملحمة صمود تقهر الحصار وتصيغ »فرحة الانتصار« بوعي إيماني!! 
وهج في حضرة الحصار.. تدفق بشري مليوني إلى باب اليمن وميدان التحرير وشوارع هائل وجمال.. خلايا نحل ترسم ملامح الفرحة الاستباقية بالعيد في شموخ وكرامة وعزة 
عيد اليمنيين.. حين تصبح فرحة الأطفال بـ«الجعالة» و«الكسوة» رسائل حب ومواساة تصنع البهجة في رحلة الأسر اليمنية من مقتنيات العيد إلى طقوس المنازل العامرة!! 

 
فلسفة »عيد الجائزة« في اليمن.. انتصار الهوية الإيمانية في أبهى صورها.. كيف يلبس »المعدمون« ثوب الغنى في يوم الجائزة؟ 
من قلب المعاناة.. فجر السيادة يسطع من زحام الأسواق إلى تجليات الإيمان اليماني في أرقى تكافل مجتمعي يكسر أنياب الفقر 
الثورة / يحيى الربيعي- أحمد المالكي

 

بينما يتهيأ أبناء اليمن لاستقبال عيد الفطر المبارك، ترسم العاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية الحرة لوحة فريدة تتجاوز في أبعادها فلسفة الاحتفاء بـ«عيد الجائزة» و«فرحة الانتصار» في عمق الهوية اليمانية والمتمثلة في شق منها بالتبضع للعيد؛ لتشكل «فرحة استباقية» تتجسد في تدفق بشري يعكس الانتصار على النفس وتمام عبادة الصيام، لتتحول شوارع المدن وأسواق المديريات والقرى إلى ميادين احتفاء بـ«يوم الجائزة». يبرز، في شق آخر منها، ذلك الابتهاج الشعبي كرسالة صمود قوية في وجه «الهيمنة الاستعمارية» التي حاولت عبثاً كسر إرادة الإنسان في اليمن، حيث تظهر أسواق وأحياء صنعاء وبقية المحافظات كقلوب نابضة بالحياة، متمسكة بقيمها الإيمانية التي تجعل من العيد محطة لتجديد عهد الانتصار لقضايا الأمة وفي مقدمتها القضية المركزية (فلسطين)؛ معركة الكرامة ضد «المشروع الصهيوأمريكي».

تعقيدات الحصار وذروة الإقبال الشرائي
تكتظ شوارع العاصمة وأسواقها العريقة منذ بواكير العشر الأواخر بمشاهد تعكس البهجة الضاربة في جذور التاريخ، حيث يتحول «باب اليمن» و»باب شعوب» و»ميدان التحرير» إلى خلايا نحل لا تهدأ منذ ساعات الصباح الأولى وحتى هزيع الليل المتأخر. وفي هذا السياق، لم تعد شوارع «علي عبد المغني» و»جمال» و»القصر» و»هائل» مجرد ممرات للتسوق، بل أصبحت مسارح مفتوحة يمتزج فيها الباعة المتجولون وأصحاب «البساطات» مع زحام العائلات التي تتوافد إليها من مختلف مديريات أمانة العاصمة ومختلف المحافظات الحرة، طلباً لمقتنيات العيد من ملابس وزينة و»جعالة» وعطور وبخور واكسسوارات وهدايا وخلافه.
وعلاوة على ذلك، تبرز النظرة المتأملة للواقع الاقتصادي مفارقة مذهلة؛ إذ أكد الباعة وأرباب المولات التجارية أن الإقبال الشرائي لهذا العام سجل مستويات قياسية تتفوق على العام الماضي، رغم تعقيدات الظروف المعيشية واستمرار الحصار الجائر. وفي سياق متصل، نجد أن هذا التدفق ليس ناتجاً عن وفرة مادية فحسب، بل هو إصرار يماني على صناعة الفرح للأطفال؛ حيث يلاحظ في الجولات الميدانية أن الأسر تمنح الأولوية المطلقة لملابس الصغار، ثم تتجه لاحقاً لمستلزمات العيد ثم ملابس الكبار وفق «القدرة المالية» المتاحة، مستفيدة من تباين الجودة والأسعار التي تتيح خيارات متعددة تناسب مستويات الدخل المتفاوتة.
أرق أفئدة وألين قلوباً
وبالتوازي مع حركة الأسواق، تنتقل ملامح الاستعداد إلى عمق البيوت اليمنية، حيث كشف كبار السن في أحاديثهم عن طقوس متوارثة تبدأ بحملات تنظيف وتزيين واسعة للمنازل، وإعداد حلويات العيد التقليدية مثل «الكعك والبيتفور»، في مشهد يعيد إنتاج روح التضامن الاجتماعي.
وعلى صعيد آخر، وهو الأعلى دلالة على خيرية هذا الشعب المعطاء، تتجلى عظمة «الإيمان اليماني» في شهادات الأسر المتعففة التي أكدت أن قيم التكافل المحمدي هي الصخرة التي تتكسر عليها أنياب الفقر؛ فبين مشاريع «هيئة الزكاة» التي تصرف الزكاة في مصارفها الثمانية إضاقة إلى مشاريع كسوة وجعالة العيد، وبين صدقات المحسنين والمبادرات المجتمعية، يشعر الفقير في اليمن- وبشهادات العديد من المعدمين والأسر الأشد فقراً- بأنه «أغنى الناس» في يوم العيد، تجسيداً لوصف المصطفى صلوات الله عليه وآله بأن أهل اليمن «أرق أفئدة وألين قلوباً».
العيد كفعل مقاوم
وفي إطار الاستعدادات الرسمية والمجتمعية، أطلقت أمانة العاصمة وصندوق النظافة والجمعيات التعاونية وفرسان التنمية واللجان المجتمعية والمواطنون حملات مكثفة لتهيئة البيئة وتنظيف الأرصفة، تزامناً مع قيام لجان تطوعت في الأحياء لتهيئة المساجد الكبرى والساحات لإقامة صلاة العيد في مشهد يؤكد، من خلاله، اليمنيون أن هذا الترابط بين الجانب الرسمي الشعبي، وبين الاستهلاك المعيشي والروحانية الدينية، يمثل حالة من «التلاحم العضوي» الذي يجعل من كل تفصيلة من تفاصيل الحياة العامة، وفي العيد تحديداً؛ من ملابس الأطفال وجعالة وهدايا العيد إلى تنظيف الشوارع وتهيئة المساجد، لبنة في بناء جبهة داخلية عصية على الانكسار.
إن مآلات هذه الحركة الدؤوبة التي تخطتها أيادي وأقدام اليمنيين تؤكد أن موازين القوى في المنطقة لم تعد تقاس فقط بالترسانة العسكرية، بل بإرادة الشعوب وقدرتها على الاستمرار في ممارسة حياتها بكرامة تحت وطأة العدوان. وتظل مظاهر العيد في اليمن دليلاً دامغاً على أن «سلطات الاحتلال» ومن ورائها القوى أمريكا وكل الشركاء والمتخاذلين قد فشلت في عزل الإنسان اليمني عن محيطه القومي وقيمه الدينية. وبناءً على ذلك، فإن العيد في اليمن عامة، وفي المحافظات الحرة على وجه الخصوص، هو «عيد النصر» الحقيقي، لاسيما وقد تحولت الفرحة من شعور إنساني بسيط إلى موقف سياسي واستراتيجي يعلن للعالم أن اليمن، بحكمته وإيمانه، قادر على صناعة الحياة من قلب المعاناة، وأن الغد سيحمل معه فجراً جديداً من السيادة والازدهار.

قد يعجبك ايضا