في سجن الدامون، تتجسد حكايتان تختلفان عن كثير من الحكايات؛ اسمان لم يُدرجا ضمن قوائم صفقة طوفان الأقصى، إذ يعتبرهما العدو “شأنًا داخليًا” بسبب البقعة الجغرافية التي تنتميان إليها، وحتى اليوم، لا يزال اعتقالهما استثنائيًا بين 72 أسيرة ما زلن قيد الأسر.
وأكد مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين في تقرير ، اليوم الإثنين ، أن غالبية الأسيرات المعتقلات في سجون العدو الإسرائيلي اليوم متهمات بالتحريض، فيما صدرت بحق خمس أسيرات فقط أحكام سجن فعلية، أما البقية فيواجهن ملفات مفتوحة ومحاكم مطولة، في حين تصدر بحق أخريات أوامر اعتقال إداري متلاحقة دون لائحة اتهام واضحة، بذريعة “الملف السري”.
وأضاف المكتب ، على موقعه الإلكتروني ، أن الأسيرتين من الداخل المحتل، شاتيلا أبو عيادة (33 عامًا) من بلدة كفر قاسم، وآية الخطيب (33 عامًا) من قرية عرعرة، تجمعهما الأحكام الفعلية والانتماء الجغرافي ذاته، إضافة إلى حرمانهما من إدراج اسميهما ضمن قوائم الأسيرات المفرج عنهن في الدفعة الأولى من صفقة طوفان الأقصى.
وتُعد الأسيرة شاتيلا أبو عيادة عميدة الأسيرات المعتقلات في سجون العدو، وهي الأقدم اعتقالًا بين الأسيرات حاليًا، استقبلت خلال سنوات اعتقالها العديد من الأسيرات وودعتهن إلى الحرية، بينما لا تزال حريتها مؤجلة، إذ تنتظر نحو ست سنوات أخرى.
في شهر ابريل القادم تدخل أبو عيادة عامها الحادي عشر في سجون العدو، بعد أن أمضت عشر سنوات كاملة خلف القضبان.
اعتقلها العدو بتاريخ 3/4/2016 بتهمة محاولة طعن جندي في الداخل المحتل، وتعرضت خلال اعتقالها للضرب والاعتداء العنيف، وقد نفت عائلتها جميع الاتهامات التي وجهها العدو بحقها، مؤكدة أنها لم تكن تتوقع اعتقالًا يترصد بها بهذه القسوة.
مكثت أبو عيادة شهرًا في تحقيق الجلمة، أعقبه عام كامل من التوقيف والمحاكم المؤجلة، حتى أصدرت محكمة اللد بتاريخ 14/2/2017 حكمًا نهائيًا بحقها يقضي بالسجن 16 عامًا، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 100 ألف شيقل.
قضت أبو عيادة سنوات الاعتقال قبل حرب السابع من أكتوبر وبعدها، وهي تدرك جيدًا الفرق بين المرحلتين، فاليوم تتعرض مع باقي الأسيرات لسياسات التجويع الممنهج والقمع المتكرر والرطوبة القاسية وانتهاك الخصوصية داخل السجن.
قبل اعتقالها، كانت تدرس علم النفس في سنتها الجامعية الثانية، لكن الاعتقال حال دون إكمال دراستها، ورغم ذلك، تحدّت القيود والتحقت بامتحانات الثانوية العامة داخل السجن، وحصلت على معدل 81%، ولا يزال حلمها بإكمال تعليمها الجامعي قائمًا.
وتؤكد العديد من الأسيرات المحررات أن أول وجه يستقبلهن داخل السجن هو وجه شاتيلا أبو عيادة، إذ كانت تهدئ من قلقهن وتطمئنهن، وتتعامل مع جميع الأسيرات كما لو كن أخوات لها.
كما تعد مرجعية ثقافية بين الأسيرات؛ فقد كانت تقرأ العديد من الكتب قبل أن تُسحب في ظل القيود الحالية داخل السجون، ولم تكن تكتفي بقراءتها، بل كانت تلخصها وترويها للأسيرات، لتبقى مصدر قوة وصمود لهن.
ورغم ذلك، لا تزال حريتها معلقة حتى اليوم، إذ يرفض العدو الإفراج عنها في صفقات التبادل، بحجة اعتبارات أمنية تتعلق بكونها من الداخل المحتل.
وقال مكتب إعلام الأسرى ، إن قضية الأسيرة آية الخطيب لا تقل ألمًا عن قصة شاتيلا أبو عيادة، وإن كان حكمها أقل مدة.
واعتقلها العدو بتاريخ 17/2/2020، ولم يكن اعتقالها عاديًا؛ فقد قضت سنة وشهرين في الاعتقال، قبل تحويلها إلى الحبس المنزلي، حيث أمضت سنتين وثلاثة أشهر متنقلة بين ثلاث قرى في الداخل المحتل، كان آخرها قريتها عرعرة.
وفي 15/8/2023 أصدرت المحكمة المركزية في حيفا حكمًا يقضي بسجنها أربع سنوات فعليًا.
قبل اعتقالها، كانت آية الخطيب تعمل أخصائية نطق وسمع للأطفال، لكن العدو لم يكتفِ باعتقالها، بل أصدر قرارًا بسحب شهادة مزاولة مهنتها، في انتهاك واضح لحقها في العمل والحياة.
وتحمل الخطيب وجعًا آخر، فهي أم لطفلين في مقتبل العمر: محمد الفاتح (14 عامًا) وعبد الرحمن (11 عامًا)، وهما في حاجة ماسة لوجودها إلى جانبهما.
وقد رفض العدو احتساب مدة الحبس المنزلي ضمن حكمها الفعلي، ما أطال سنوات الفراق بينها وبين طفليها وزوجها ومنزلها.
وتؤكد الأسيرات المحررات أن آية الخطيب تُلقّب داخل السجن بـ “أم المساكين”، لما عُرف عنها من اهتمام بالأسيرات ومساعدة المحتاجات منهن، كما تُعد مرجعية في اتخاذ القرارات ونصح الأسيرات، لما تتمتع به من حكمة وتأثير واحترام كبير داخل السجن.