ترامب ومجلسه.. هندسة السلام أم تسويق الصفقات؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

منذ عودته إلى البيت الأبيض، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقديم نفسه كصانع سلام عالمي، قادر على تحويل الحروب إلى اتفاقات، والأزمات إلى فرص سياسية. وفي هذا الإطار أعلن عن تشكيل ما سماه “مجلس السلام”، مؤكدًا أن الحروب مكلفة، وأن السلام أقل كلفة وأكثر فائدة. لكن هذا الخطاب، رغم بريقه الإعلامي، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يسعى ترامب إلى سلام حقيقي، أم إلى تسويق صفقات سياسية جديدة تحت عنوان السلام؟

تصريحاته حول غزة تكشف تناقضًا واضحًا بين لغة السلام ومنطق الإملاء. فهو يصف الوضع بأنه معقد، ويؤكد أن السلام ليس سهلاً، لكنه في الوقت ذاته يطالب المقاومة بتقديم التزامات، ويهدد بنزع السلاح ومواجهة قاسية في حال عدم التنفيذ. هذا الطرح يختزل الصراع في بعد أمني ضيق، متجاهلاً جذوره الأساسية المتمثلة في الاحتلال والحصار والاعتداءات المستمرة.

في رؤية ترامب، يتحول السلام إلى صفقة سياسية أكثر منه مشروعًا عادلًا. فالتركيز على الترتيبات الأمنية بدل الحقوق، والتعامل مع نتائج الصراع بدل جذوره، يجعل العملية التفاوضية غير متكافئة، حيث يُطلب من الطرف الأضعف تقديم التنازلات، بينما يستمر الطرف الأقوى في فرض الوقائع على الأرض.

الأمر الأكثر دلالة هو تأثير اللوبيات المؤيدة للاحتلال داخل أمريكا على السياسة الأمريكية تجاه المنطقة. هذه الجماعات تمارس نفوذًا واسعًا على صانعي القرار، من خلال التمويل السياسي، والتوجيهات المباشرة عبر الكونغرس، والشبكات الإعلامية، ومراكز الدراسات الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، يصبح أي خطاب عن “سلام” مرتبطًا بالمصالح الإسرائيلية قبل أي اعتبار إنساني أو قانوني، ما يحوّل مبادرات السلام إلى أدوات لإعادة ترتيب الواقع بما يخدم الهيمنة والصفقات السياسية، لا لتحقيق العدالة أو وقف الانتهاكات.

إعلان “مجلس السلام” جاء في لحظة مأساوية لغزة، حيث يعيش سكانها تحت حصار ودمار ومعاناة يومية. ومع ذلك، يتجنب الخطاب الأمريكي الحديث عن جذور الأزمة، ويركز على ما يسميه “التزامات” المقاومة، وكأن المشكلة ليست العدوان المستمر، بل الرد عليه. كما أن الإشارة إلى دور “قادة الشرق الأوسط الأثرياء” في تحسين الأوضاع تكشف عن تحويل القضية إلى مشروع اقتصادي قبل أن يكون سياسيًا أو إنسانيًا، في محاولة لتسويق حلول مالية بدلاً من حقوق ثابتة.

هذه الرؤية ليست جديدة. فقد شهدت المنطقة عقودًا من مبادرات رفعت شعارات السلام، لكنها في جوهرها كانت صفقات سياسية لإعادة ترتيب المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية معًا. وغالبًا ما كانت هذه المبادرات هشّة، لأنها لم تُبنَ على أساس العدالة، بل على توازنات القوة والهيمنة.

التناقض الأكبر في خطاب ترامب يظهر عندما يربط بين السلام وتهديدات المواجهة. فمن جهة يتحدث عن الاستقرار، ومن جهة أخرى يستخدم لغة التهديد والضغط، ما يكشف أن السلام المعلن ليس خيارًا حرًا، بل مسارًا مفروضًا بقوة النفوذ السياسي والعسكري.

السلام الحقيقي لا يُبنى على التهديد، ولا على تجريد طرف من وسائل الدفاع، ولا على تجاهل جذور الصراع. السلام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالحقوق، ووقف العدوان، ورفع الحصار، وإنهاء الاحتلال. أما السلام الذي يُطرح اليوم، فيظهر كإدارة للأزمة لا كحل جذري، يظل هشًا ومعرضًا للانهيار عند أول مواجهة جديدة.

“مجلس السلام” الذي يتحدث عنه ترامب قد يتحول إلى منصة للصفقات السياسية، تُدار فيها الملفات الحساسة بمنطق المصالح لا المبادئ. قد تُعلن إنجازات وتُوقّع اتفاقات، لكن من دون معالجة الأسباب الحقيقية، سيبقى السلام هشًا ومؤقتًا. وحتى إن نجحت بعض الاتفاقات، فإنها ستعيد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة، لأن الحقوق لم تُستعد ولم يُعالج الاحتلال ولم يُرفع الحصار.

هذه المعادلة تتضح بشكل أكبر عند النظر إلى الدور الهيكلي للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة، حيث تُركّز واشنطن على إدارة الأزمات وفق مصالحها الاستراتيجية، بدل حل جذور الصراع. وهذا يعني أن أي مشروع “سلام” يتم الترويج له، بما في ذلك مجلس ترامب، يخضع أولاً لضوابط اللوبيات المؤثرة وسياسات الهيمنة، وليس للعدالة أو القانون الدولي.

ختامًا، على العرب أن يعيوا درسًا مهمًا: السلام الذي يُطرح تحت مظلة النفوذ واللوبيات والسياسات الخارجية المهيمنة، لن يكون سلامًا حقيقيًا. كل مبادرة لا تعترف بالحقوق، ولا ترفع الحصار، ولا تنهي الاحتلال، هي مجرد صفقة مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة. وواجب العرب اليوم أن يفهموا أن لا سلام حقيقي يمكن أن يتحقق إلا بالوعي بالحقائق، وبالتمسك بالحقوق، ورفض مشاريع الصفقات المشروطة التي تُطرح باسم السلام

قد يعجبك ايضا