سفر الإفطار الجماعي.. تكافل يتجاوز الأزمات وبادرة إنسانية تصنع الحياة
رمضان صنعاء.. مدينة تفطر معًا وتتقاسم البر في صمت بعيدًا عن ضجيج الميديا
قبل دقائق من أذان المغرب، تبدو صنعاء وكأنها تدخل في طقس جماعي مهيب ، تخفت ضوضاء الأسواق، تتسارع الخطى في الأزقة، وتتهيأ المساجد والحارات لاستقبال لحظة الإفطار.
الثورة/ مصطفى المنتصر
أواني الشفوت والسحاوق تصف على السفر الممتدة بعناية، ويوزع التمر في أكياس صغيرة، وأكواب الماء أو العصير تنتظر الإشارة الأولى من المفطرين.
وما إن يرتفع الأذان من مآذن المدينة، متداخلًا من مسجد إلى آخر، فيتحول المشهد كله إلى صورة واحدة تعكس روح التكافل والألفة المجتمعية التي تحمل إرثًا وعادات يمنية أصيلة، مضى عليها آلاف السنين.
سفرة متنوعة الأطباق ومتعددة المصادر
في محيط المساجد، وعلى أبواب الأسواق والمحال التجارية في شوارع وأحياء العاصمة صنعاء، تمتد موائد إفطار جماعية بجهود أهلية خالصة ووليدة اللحظة، ودون تنسيق مسبق، لا شعارات، ولا لافتات دعائية، بل مساهمات بسيطة يجمعها أهالي الحي أو ملاك المحال التجارية، وغالبًا ما يكون مصدر هذه الأطباق من جيران تلك الأسواق الذين يتنافسون على كسب الأجر والثواب وإفطار الصائمين المارين من الشوارع أو الأحياء، طبق من هذا البيت، وصحن شفوت من آخر، وتمرات يقدمها ثالث، وهكذا تمتلي السفرة الرمضانية بكل ما تجود به الأيادي اليمنية.
عادة متأصلة… وطقوس دينية وإنسانية فريدة
وخلال أيام الشهر الفضيل، تقام الآلاف من موائد الإفطار اليومية، في مشهد يعكس مستوى كبيرًا من التكافل الاجتماعي المتجذر في المجتمع اليمني، الذي قلما تخلو حارة من سفرة إفطار واحدة على الأقل.
وهي عادات رمضانية تهدف إلى تعزيز روح التكافل والتعاون بين أبناء الحي الواحد، ومنع أي شخص من الإفطار وحيدًا أو العودة إلى منزله جائعًا.
لكن المشهد الرمضاني في صنعاء لا يقتصر على موائد المساجد والساحات، فخلف أبواب البيوت، تنبض عادات أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا ،موائد أخرى أكثر تنوعًا وشهية تُقام داخل البيوت دون إعلان، وصناديق بر توضع في الزوايا دون تنسيق أو إعلان، ومجالس سمر قرآني تعيد للليل روحه في هذا الشهر الفضيل، وتربط الأجيال ببعضها في سياق اجتماعي وإيماني متكامل.
منظومة تكافل اجتماعي
رمضان في صنعاء ليس فقط طقوسًا دينية، بل منظومة تضامن يومية تتحرك بعفوية، وتتجدد كل عام رغم الظروف الاقتصادية الصعبة ،
هو شهر تتحول فيه الحارة إلى أسرة، والشارع إلى مائدة، والجار إلى سند، والمعاناة إلى فرحة ولمة لا تحضر إلا في رمضان.
ومن قلب هذه التفاصيل الصغيرة، تتشكل لوحة إيمانية وإنسانية فريدة، يصر أبناء وساكنين العاصمة صنعاء على أن يجعلوا من الشهر الفضيل مساحة للتماسك الاجتماعي، ومناسبة لإحياء عادات قد لا تتداولها الأخبار أو مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها تحفظ للمدينة روحها المتوارثة جيلاً بعد جيل.
تفاصيل لا تراها الكاميرات
وما بين سفرة تمتد في مسجد، وبيت يفتح بابه بصمت، وصندوق خشبي يحرس كرامة المحتاج، ومجلس يتردد فيه صوت القرآن حتى ساعة متأخرة، ترسم صنعاء مشهدًا رمضانيًا متكاملًا.
لا يُقاس هذا المشهد بعدد الزينة وأشكال الإنارات المتعددة، بل بعدد الأيادي الممدودة بالعطاء، ولا بعدد الصور المنشورة، بل بعدد القلوب التي لا تنام جائعة.
