وديع العبسي
جُرْح طوفان الأقصى كان غائرا في عمق الغطرسة الصهيونية، إلى المستوى الذي دفع بأمريكا وجهابذة السياسة والتخطيط إلى ابتداع ما يسمى بـ” مجلس السلام”.
إذ لم يكن العدو يتوقع عملية بمستوى الطوفان، الصدمة أربكت كل الحسابات وخلقت حالة عشوائية في تحديد ما تفرضه اللحظة ويتطلبه مستقبل العدو في المنطقة، وهو الذي لم تتوقف يوما استهدافاته للمقاومة وللشعب الفلسطيني عموما، لذلك فإن أكثر ما رأى قدرته على الإبداع فيه -في سياق تجاوز تأثير اللحظة- كان تنفيذ مخطط إبادة للشعب الفلسطيني كحل وحيد لبقاء كبريائه في مأمن، ولاستعادة ما فقده من هيبة الردع.
الفعل الدموي، وتناثر الجثث والأشلاء في الطرقات وتحت الانقاض، كان محتوى المشهد اليومي للعدوان الإسرائيلي، وبالتزامن فَرْض الحصار الخانق ومَنْع وصول الغذاء والدواء والوقود من قبل العدو إلى داخل غزة فاقم من أزمة الفلسطينيين وكشف عن حيوانية السلوك الصهيوني.
وإثر ذلك كان عداد الشهداء يتصاعد، وحكايات المأساة تتعاظم، فيما العالم كان قد صمّ آذانه عن سماع صرخات النساء والأطفال وآهات المدنيين المذبوحة بالقهر وهم يبحثون عما يسدون به رمق أطفالهم..
كان العالم بليدا في مشاعره، خسيسا بسلبيته تجاه انتهاك الإنسانية داخل غزة، وكان المشهد يزداد مأساوية مع تصاعد البلطجة الصهيونية، اذ أدرك نتنياهو ومن معه أن العالم إما مؤيد وإما ساكت، والشعب الفلسطيني وحيدا لا مساند له فتمادى وعاث فسادا، ووحدها فصائل المقاومة ثم محور المقاومة كانوا يمدونهم بأمل الخلاص من الكابوس الصهيوني.
وعقب عامين من الهمجية الإسرائيلية ظهر ترامب وفي جعبته خطة ما أسماه بـ”مجلس السلام” مدعوما بقرار من مجلس الأمن، ليبدأ حقبة احتلال جديد لغزة، أمريكي الواجهة، «إسرائيلي» الفعل على أرض الواقع.
وقبل أيام جمع ترامب أطراف المجلس وبدأوا برسم ومناقشة خطة تنفيذية لما يسمونه بإحلال السلام في غزة، تقوم على نشر قوات أجنبية في القطاع، مع تفضيل ألا يكون للفلسطينيين أي حضور فيها، بحسب طلب «نتنياهو» ما يعني انه حتى العناصر الأمنية التابعة لسلطة رام الله ممنوعة من المشاركة.
وهذا التمادي بالذهاب بالوضع إلى التأزيم على غير ما يصب في مصلحة الفلسطينيين إنما يعبر عن حالة الصدمة التي تأبى مغادرة الغطرسة الأمريكية والإسرائيلية، حين هبت عاصفة الطوفان الفلسطيني، فقد كانت كافية لأن تدفع «الإسرائيلي» ليعلن أنه في حالة حرب، واستدعى أكثر من 300 ألف من قوات الاحتياط وحشد قوات كبيرة في الجبهة الشمالية تحسبًا لإمكانية تفجّر الوضع العسكري على الحدود مع لبنان، وكل ذلك في مواجهة مجموعة قليلة من المقاتلين الذين لم يمتلكوا إلا الإيمان وقوة الإرادة وشيئاً من السلاح داخل منطقة جغرافية صغيرة ومحاصرة منذ عشرين عاماً تقريبا.
يتكون قوام المقاومة الفلسطينية من خمسة ألوية تابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام، وتشكيل قتالي يتبع حركة الجهاد الإسلامي، وفصائل مقاومة وطنية في القطاع تتبع الجبهة الشعبية، حركة الأحرار، ألوية الناصر صلاح الدين، في مواجهة «جيش» مزود بكل أنواع الردع والحماية، وغطاء أمريكي عسكري ودبلوماسي.
رغم هذا الفارق في حجم القوة وحرية الحركة والعمل الاستخباري، بلغ الإحباط بأمريكا وإسرائيل لأن تدعو دول العالم لتشكيل المجلس المشبوه في مسعى لتوريط الآخرين في انتهاك غير أخلاقي وغير إنساني لحقوق شعب يدافع عن حقه.
والأمر إجمالا، إنما يأتي في سياق مخطط الترويض للمنطقة والعالم لتقبل الطابع المصيري لهذه النزعة الصهيونية لفرض الهيمنة على الجميع. إنما سيبقى هناك صوتٌ مقاوم، حتما ستكون له صرخة مدوية تزلزل أركان المحتل الجديد.
