رمضانُ الوعي والإرادة.. قراءة في مضامين كلمة السيد القائد للتهيئة الرمضانية 1447هـ
زينب عبدالوهاب الشهاري
في خضم التحديات العاصفة التي تضرب الأمة الإسلامية، وبينما تتجه القلوب صوب شهر الله الكريم، جاءت كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي (يحفظه الله) بتاريخ 25 شعبان 1447هـ، لتضع النقاط على الحروف، مقدمةً رؤية شاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للعبادة، لتربط ببراعة بين “روحانية الصيام” و”مسؤولية الجهاد”، وبين “تزكية النفس” و”وعي الواقع”. لم تكن مجرد خطبة دينية معتادة، بل كانت خارطة طريق لاستعادة فاعلية الأمة عبر محطة رمضان المبارك.
أولاً: فلسفة “التهيئة المسبقة”.. استنهاض للشعور والهمة
استهل السيد القائد كلمته بالتأكيد على مبدأ “التهيئة النفسية والذهنية” كشرط أساسي لتعظيم الاستفادة من الشهر الكريم، مقتدياً في ذلك بنهج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يخصص آخر جمعة من شعبان لهذا الغرض.
إن الدخول الروتيني في رمضان دون استعداد مسبق يُفقد الإنسان روحانية الشهر ويحوله إلى طقوس جامدة، أو قد يؤدي إلى استثمار خاطئ للوقت في الملهيات. وقد أشاد السيد بتميز الشعب اليمني واهتمامه الفريد بالاستقبال المبكر لرمضان، معتبراً ذلك من معالم هويته الإيمانية ومصداقاً لحديث “الإيمان يمان”. هذه التهيئة ليست ترفاً، بل ضرورة لضبط الأولويات والتركيز في ظل الملهيات.
ثانياً: تشخيص الخلل.. لماذا تعاني الأمة؟
قدمت الكلمة تشخيصاً دقيقاً لواقع العالم الإسلامي المأزوم والمليء بالمشاكل والمعاناة. أرجع السيد القائد هذا الوهن إلى “فصل الدين عن الحياة”، حيث تحول الإسلام عند الكثيرين إلى طقوس مفصولة عن أثرها العملي وعن المسؤوليات الكبرى.
لقد شُطبت فرائض عظيمة مثل “الجهاد”، و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، و”إقامة القسط” من قائمة اهتمامات الحكومات والشعوب، مما أفقد الأمة منعتها وجعلها فريسة سهلة للأعداء. وأكد أن الصلاة والصيام فُصلا عن غاياتهما في بناء التقوى والوعي، فأصبحا لا يمنعان من الفحشاء ولا يشكلان وقاية للأمة.
ثالثاً: ركائز رمضان.. التربية بالصيام والهداية بالقرآن
أعاد السيد القائد تعريف ركائز الشهر الكريم بوصفهما أدوات تغيير وبناء:
* فريضة الصيام (مدرسة الإرادة والتقوى): الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو “عطاء تربوي” يهدف لتزكية النفس واكتساب “قوة الإرادة”. الأمة اليوم بحاجة ماسة لهذه القوة للتحرر من التبعية ومواجهة التحديات. ثمرة الصيام هي “التقوى”، التي تعني الالتزام العملي بتوجيهات الله والحذر من عواقب التفريط في المسؤوليات. الصيام يعلم الصبر، والصبر هو الوقود الضروري للثبات في مواجهة أعداء الأمة.
* شهر القرآن (حصن الوعي): في زمن “الحرب الناعمة” والهجمة الشيطانية غير المسبوقة التي تستهدف إنسانية الإنسان، يبرز القرآن ككتاب هداية شامل لكل زمان ومكان. شدد السيد على ضرورة العودة للقرآن ليس للتلاوة فقط، بل كمنهج حياة، ومصدر للتقييم الصحيح للأعداء والأحداث. القرآن هو النور الذي يبدد ظلمات التضليل الإعلامي والثقافي الذي يمارسه الغرب.
رابعاً: الواقع السياسي والجهادي.. معركة الوجود
لم يغب الواقع الدامي عن الكلمة، بل كان حاضراً بقوة كجزء من مسؤولية التقوى. استعرض السيد القائد المخاطر المحدقة بالأمة، محذراً من حالة “الاستباحة” التي يسعى العدو الصهيوني لفرضها كواقع مقبول.
* غزة وفلسطين: أشار بمرارة إلى الإجرام الصهيوني المستمر، من القتل والتجويع إلى تشكيل عصابات من الخونة والعملاء لنهب المساعدات واستهداف الجبهة الداخلية في غزة. كما نوه إلى تسليح قطعان المستوطنين ليكونوا جيشاً رديفاً يفتك بالفلسطينيين في الضفة الغربية.
* لبنان وسوريا: فضح التناقض الدولي الذي يضغط لنزع سلاح حزب الله الذي يحمي لبنان، بينما يتم تسليح المستوطنين الصهاينة. وأكد على استمرار الاعتداءات على سوريا ومحاولات إزاحة إيران كونها العقبة الكبرى أمام المشروع الصهيوني.
* السقوط الأخلاقي للغرب (فضح أولياء الشيطان): لفت الأنظار بقوة إلى الفضائح الأخلاقية للنخب الغربية التي تكشفت عبر وثائق (جيفري إبستين)، مؤكداً أن هؤلاء “أولياء الشيطان” يديرون العالم بطقوس إجرامية وشيطانية تصل إلى حد شرب دماء الأطفال والاغتصاب، مما يكشف زيف حضارتهم ووجوب التحصن منها.
خامساً: الفرص الرمضانية العظيمة
ختم السيد الجانب الروحي بالتذكير بالمنح الإلهية:
* ليلة القدر: التي تتطلب تهيئة من بداية الشهر لتلقي فيوضاتها، فهي ترسم مستقبل الإنسان.
* المواساة: حيث يُعد رمضان شهر المواساة للفقراء والمحتاجين، وهو عمل عظيم يساهم في تماسك الجبهة الداخلية.
* مضاعفة الأجر: فرصة لا تعوض حيث يُضاعف الله الأعمال بشكل استثنائي.
مصفوفة التوصيات العملية (مستخلصة من توجيهات السيد القائد)
بناءً على مضامين الكلمة، نضع بين أيديكم أهم التوصيات والمهام العملية للمؤمنين خلال شهر رمضان المبارك:
على المستوى الروحي والتربوي:
* التهيئة النفسية: الدخول في أجواء رمضان بجدية واهتمام مسبق قبل حلول الشهر.
* التقوى العملية: استحضار أن الغاية من الصيام هي اكتساب “قوة الإرادة” للكف عن المحارم والنهوض بالمسؤوليات، وليس مجرد طقوس.
* الارتباط بالقرآن: الاهتمام بالبرنامج الثقافي القرآني اليومي كمنهج هداية وبصيرة، وليس مجرد تلاوة.
* التمرس على الصبر: استثمار شهر رمضان كونه “شهر الصبر” لتعويد النفس على التحمل واكتساب قوة الصبر، فالصبر هو الأساس للاستقامة والنجاح والتزام المسؤوليات في هذه الحياة.
على المستوى الاجتماعي والإنساني:
* تفعيل المواساة: تعزيز التكافل الاجتماعي وتفقد الفقراء والمساكين بشكل مكثف، فرمضان هو “شهر المواساة”.
* التعاون على البر: الحث على المبادرات الجماعية في أعمال الخير والإحسان.
على المستوى الثقافي والفكري:
* الاستفادة من البرنامج الرمضاني: الحرص على متابعة المحاضرات الرمضانية للسيد القائد بتركيز وإصغاء.
* تجنب الملهيات: الحذر الشديد من إضاعة الوقت أمام المسلسلات التلفزيونية والألعاب والهواتف التي تفرغ الشهر من روحانيته.
على المستوى الجهادي والسياسي:
* عدم الانفصال عن الواقع: بقاء الوعي حاضراً بما يجري في فلسطين ولبنان والمنطقة، وعدم الانعزال تحت ذريعة العبادة.
* استمرار التعبئة: الحفاظ على الأنشطة التعبوية، والمسيرات، والوقفات المساندة للشعب الفلسطيني طوال شهر رمضان وعدم الفتور.
* الدعاء للمجاهدين: تخصيص جزء من الدعاء في هذا الشهر الفضيل للنصر للمجاهدين في غزة ولبنان واليمن، والفرج للأسرى والشفاء للجرحى.
خاتمة:
إن شهر رمضان في رؤية السيد القائد هو محطة تعبئة إيمانية شاملة، تزود المؤمن بالطاقة الروحية (التقوى) والبصيرة الفكرية (القرآن) ليقوم بدوره في استخلاف الله في الأرض، مجاهداً، ناصراً للمستضعفين، ومواجهاً لمشاريع الطاغوت والاستكبار.
