زراعة القوقعة في اليمن.. رحلة من الصمت إلى الأمل

 

الدكتور البلعسي:
السمع هو بوابة المعرفة.. ومن يفقده يعيش في عزلة تامة
توطين زراعة القوقعة خفّض التكاليف إلى أقل من النصف وأنهى معاناة السفر
دعوة للتجار ورجال الخير لدعم الأطفال فاقدي السمع وزراعة البسمة في وجوه أسرهم

الثورة/ رشاد الجمالي – ذمار
في زمنٍ تتعالى فيه أصوات المعاناة، يسطع في محافظة ذمار بصيصُ أملٍ جديد يحمل في طياته معاني الإنسانية والعلم والإصرار.
إنه مشروع زراعة القوقعة الذي حوّل صمت الأطفال إلى نغم حياة، وأعاد البسمة إلى وجوه أسرٍ كانت تعيش في عزلةٍ مؤلمة.
بإرادةٍ صلبة وجهودٍ طبية وطنية خالصة، نجح فريق مستشفى البلعسي بقيادة الدكتور عبدالكريم البلعسي في توطين هذه التقنية داخل اليمن ليصبح الأمل في السمع والحياة قريبًا لا يبعد سوى خطوة أمل.
بداية يقول الدكتور عبدالكريم البلعسي- استشاري أول أمراض وجراحة الأنف والأذن والحنجرة ومدير مستشفى البلعسي بذمار: فكرة زراعة القوقعة ليست جديدة تعود إلى عام 2013م لكن بسبب الأوضاع التي مرت بها البلاد لم نتمكن من تنفيذها حينها. وفي عام 2021 بدأنا فعليًا بخطوات توطين زراعة القوقعة داخل اليمن لأننا نؤمن أن الخدمات النوعية ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة.
وأضاف: أكبر عائق كان أمامنا هو الجانب المالي فتكلفة العملية في الخارج تصل إلى 14 ألف دولار وهو مبلغ يعجز كثير من المرضى عن توفيره. لذلك قررنا أن نبدأ بأنفسنا وواجبنا كأطباء أن نوفر الخدمة داخل الوطن.
السمع… بوابة الحياة والمعرفة
يوضح الدكتور البلعسي أن السمع هو البوابة الأولى للمعرفة والإدراك قائلًا: الطفل الذي لا يسمع لا يمكنه أن يتكلم أو يتعلم لأنه محروم من المدخل الأساسي للغة.. الكفيف قد يصبح مبدعًا أو عالِمًا لكن الأصم يعيش في عزلة تامة عن المجتمع. وعندما نزرع له القوقعة فنحن في الحقيقة نعيده إلى الحياة.
وأشار إلى أن أحد الأطفال الذين أُجريت لهم العملية قال بعد فترة من التأهيل:
عدت للحياة من جديد، بينما قال آخر: كنت أعيش في عالم وحدي، لا أفهم ما يقوله الناس من حولي.
نجاحات مبهرة
وأكد الدكتور البلعسي أن فريقه الطبي أجرى حتى الآن 67 عملية زراعة قوقعة ناجحة بفضل الله موضحًا: النجاح يُقاس عندما نرى الطفل يبدأ في سماع الأصوات بعد أسبوعين أو شهر من العملية ثم يبدأ تدريجيًا بالنطق والتكلم. بعض الأطفال حفظوا سورة الفاتحة بعد ثلاثة أشهر فقط من الزراعة.
وأضاف: الأفضلية في النتائج تكون للأطفال تحت سن الخامسة أما من تجاوزوا العاشرة فتقل لديهم فرص التطور اللغوي رغم إمكانية سماعهم للأصوات.
تحديات ومعاناة الأسر
يتحدث الدكتور البلعسي عن أبرز الصعوبات التي تواجه المرضى فيقول: أكبر الصعوبات التي نواجهها هي المالية، إذ لدينا أكثر من 300 حالة على قائمة الانتظار. كما أن بعض الأسر تكتشف فقدان السمع لدى أطفالها متأخرًا، بعد فوات سنّ الاستفادة المثلى من الزراعة.
وأشار إلى أن المستشفى يسعى لتخفيف الأعباء عن المرضى قدر المستطاع مضيفًا: نحاول تنفيذ العمليات مجانًا قدر الإمكان ولا نأخذ سوى قيمة الجهاز والبرمجة.
نداء إلى رجال المال
وجه الدكتور البلعسي نداءً صادقًا إلى رجال الخير والتجار في اليمن، قائلًا:
زراعة القوقعة ليست ترفًا بل حياة جديدة، أدعو رجال المال والأعمال أن يجعلوا لهذه الفئة نصيبًا من زكواتهم وصدقاتهم، فالله يضاعف الأجر لمن يزرع البسمة في وجوه الأسر التي كانت تعيش في صمت.
وأشاد بدور صندوق رعاية وتأهيل المعاقين في دعم العمليات بمبلغ ألفي دولار لكل حالة، مثمنًا جهود الدكتور علي مغني المدير التنفيذي للصندوق، إلى جانب مساهمات مؤسسات خيرية مثل بيت هائل سعيد أنعم، مؤسسة الجيل الجديد ودادية للتجارة العامة، وأبو حيدر العولقي وغيرهم من الداعمين.
رؤية مستقبلية
كشف الدكتور البلعسي عن خطة طموحة لتوسيع برنامج زراعة القوقعة على مستوى الجمهورية قائلًا: نحن مستعدون لتدريب كوادر طبية في جميع المحافظات، ولدينا مراكز تأهيل في إب وصنعاء، وسنفتح مراكز جديدة لتقريب الخدمة إلى المرضى في مختلف المناطق.
وأضاف: «مستعدون لتبادل الخبرات مع جميع المؤسسات الصحية الراغبة في تبني هذا المشروع الإنساني، لتعم الفائدة على الجميع.
توطين زراعة القوقعة
وحول مفهوم توطين زراعة القوقعة، أوضح الدكتور البلعسي: الزراعة في الخارج مكلفة جدًا، وترافقها معاناة السفر والإقامة الطويلة، وأحيانًا النصب والاحتيال. أما اليوم، فيمكن للمريض أن يزرع القوقعة في ذمار أو صنعاء ويعود إلى بيته بعد يومين فقط، بتكلفة تقل عن نصف ما يدفعه في الخارج.
وأضاف: التوطين يعني أن تكون الخدمة في متناول الجميع، وأن نوفر على الأسر اليمنية المال والوقت والمعاناة.
التشخيص المبكر
وفي ختام اللقاء، وجّه الدكتور البلعسي رسالة إلى الجهات الرسمية قائلًا: نأمل أن تتبنى وزارة الصحة برنامج زراعة القوقعة بشكل رسمي، وأن تعمل على التشخيص المبكر لفقدان السمع منذ الولادة عبر أجهزة الانبعاث القوقعي في مستشفيات الأمومة والطفولة.
كما دعا الأسر إلى الانتباه أطفالها ومراجعة الطبيب فور ملاحظة أي تأخر في الاستجابة السمعية، مؤكدًا أن الاكتشاف المبكر هو الخطوة الأولى لمنع الإعاقة السمعية.

قد يعجبك ايضا