الثورة/ هاشم السريحي
في زمنٍ باتت فيه الخوارزميات تتحكّم في الوعي الجمعي، وتُعيد ترتيب الحقيقة وفق مصالح رأس المال والسياسة، تبرز منصة «أب سكرولد» (UpScrolled) كظاهرة رقمية جديدة تتجاوز كونها تطبيق تواصل اجتماعي ناشئ، لتتحول إلى حالة احتجاج تقني على منظومة رقمية عالمية متهمة بتقييد حرية التعبير، ولا سيما حين يتعلّق الأمر بالقضية الفلسطينية.
المنصة التي كسرت حاجز 2.5 مليون مستخدم في أقل من أسبوعين تقريبا منذ تسليط الضوء عليها، أسسها التقني الفلسطيني الأردني الأسترالي عصام حجازي، صعدت خلال فترة وجيزة إلى واجهة المشهد الرقمي، محققة أرقامًا لافتة في التحميل والانتشار، ومثيرة تساؤلات جدية:
هل نحن أمام بديل حقيقي لعمالقة التواصل الاجتماعي؟ أم مجرد موجة غضب رقمية عابرة؟
من رحم الحرب.. وُلدت الفكرة
لم يأتِ إطلاق «أب سكرولد» في سياق تقني بحت، بل كان – بحسب مؤسسها – رد فعل مباشر على التضييق الممنهج على المحتوى الفلسطيني خلال حرب الإبادة على غزة، حيث اشتكى ناشطون وصحفيون من الحذف والحجب وخفض الوصول، خاصة على منصات كبرى مثل «تيك توك» و«فيسبوك» و«إنستغرام».
يقول عصام حجازي في تصريحات سابقة: «منذ بدء الإبادة في غزة تغيّر كل شيء داخليًا. شعرت أنني متواطئ من خلال عملي في شركات التكنولوجيا الكبرى، فقررت إنشاء مساحة رقمية عادلة، تعيد الصوت لأصحابه».
بهذا الوعي، تحوّلت «أب سكرولد» من مجرد تطبيق إلى مشروع أخلاقي وتقني، يسعى إلى كسر ما يسميه مؤسسوها «الرقابة الخفية» و«التحيّز الخوارزمي».
دعم تقني عابر للحدود
أُطلقت المنصة بدعم من تحالف «التكنولوجيا من أجل فلسطين»، وهو تحالف عالمي يضم أكثر من 40 مؤسسًا ومهندسًا ومستثمرًا، تقوده شخصيات تقنية بارزة، ويهدف إلى بناء بدائل رقمية تضمن حرية الوصول والتعبير، بعيدًا عن هيمنة الشركات العملاقة.
هذا الدعم منح «أب سكرولد» بعدًا دوليًا، وساعدها على الصمود تقنيًا أمام موجات التحميل المفاجئة.
قفزة غير مسبوقة في الأرقام
رغم حداثة عهدها، حققت المنصة أرقامًا لافتة:
– صعود «أب سكرولد» إلى قائمة أعلى 10 تطبيقات مجانية في متجر «آب ستور» بعدة دول، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا.
– وفق بيانات شركة AppFigures، تم تحميل التطبيق 41 ألف مرة خلال ثلاثة أيام فقط، بمعدل 14 ألف تحميل يوميًا.
– هذا الرقم يمثّل زيادة تقارب 29 ضعفًا مقارنة بمتوسط التحميل السابق الذي لم يتجاوز 460 تحميلًا يوميًا.
– تجاوز التطبيق منصات معروفة مثل ديسكورد في بعض الأسواق، واحتل المرتبة التاسعة بين التطبيقات المجانية، متقدمًا على «تيك توك» نفسه في فترة قصيرة.
هذا الصعود تزامن مع اضطرابات كبرى شهدتها منصة تيك توك في الولايات المتحدة، عقب إعادة هيكلة ملكيتها.
تيك توك والملكية الجديدة.. شرارة الهجرة
أعادت صفقة إنشاء كيان أميركي مستقل لإدارة «تيك توك» داخل الولايات المتحدة، وظهور أسماء مثل لاري إليسون – المعروف بدعمه العلني للعدو الإسرائيلي وعلاقته الوثيقة برئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو – إشعال المخاوف بشأن مستقبل المحتوى السياسي والفلسطيني على المنصة.
وتفاقمت الأزمة مع:
– تعيين آدم بريسر رئيسًا تنفيذيًا لـ«تيك توك» في الولايات المتحدة، وهو شخصية مثيرة للجدل بسبب مواقفه المعلنة.
– تسجيل أكثر من 600 ألف شكوى تقنية على موقع «داون ديتيكتور» خلال أيام، شملت أعطال تحميل وظهور «صفر مشاهدات».
وسط هذا المشهد، بدت «أب سكرولد» لكثيرين ملاذًا رقميًا بديلًا.
كيف تعمل «أب سكرولد» تقنيًا؟
تتبنّى المنصة نموذجًا مختلفًا عن المنصات التقليدية:
– عرض زمني مباشر للمحتوى دون تلاعب خوارزمي.
– لا يوجد «حجب خفي»، ولا تفضيل لمن يدفع، ولا خفض وصول بسبب الرأي السياسي.
– شريطان رئيسيان: شريط المتابعين (زمني)، وشريط الاستكشاف (يعتمد على التفاعل مع عامل الوقت).
كما تتيح: نشر فيديوهات قصيرة، ومحتوى نصي، بأدوات تحرير بسيطة.
هذا النموذج يمنح المستخدم إحساسًا بالتحكم والسيادة الرقمية.
صراع على الرواية.. لا على التقنية فقط
يرى مراقبون أن ما يجري يتجاوز المنافسة التقنية، ليصل إلى صراع على الرواية ومن يملك المنصات ومن يحدد ما يُرى وما يُخفى.
في هذا السياق، تحوّلت «أب سكرولد» إلى مساحة يظهر فيها المحتوى الفلسطيني بلغات متعددة، وشعارات وإدانات كانت تُحذف في منصات أخرى، ما جعلها رمزًا لما يسميه ناشطون «التمرد الرقمي».
كتب أحد المستخدمين: «حذفت تيك توك لأنها أصبحت مملوكة لصهيوني، وفتحت حسابًا على أب سكرولد لأنها مملوكة لفلسطيني».
الخصوصية والبيانات
تؤكد المنصة التزامها بـ:
– عدم بيع بيانات المستخدمين.
– عدم بناء ملفات إعلانية خفية.
– استضافة البيانات على خوادم في دبلن – أيرلندا وفق معايير حماية عالية.
– مقر إداري في أستراليا ضمن بيئة قانونية مستقرة.
هل تهز أب سكرولد عمالقة التواصل؟
واقعيًا، لا تزال «أب سكرولد» في مرحلة نمو مبكرة مقارنة بمنصات تضم مليارات المستخدمين وبنى تحتية هائلة، لكن: وتيرة النمو المتسارعة، والزخم الإعلامي، والتحول في وعي المستخدمين، وتزايد الشكوك حول حياد المنصات الكبرى؛ كلها مؤشرات على أن نموذج التواصل الاجتماعي نفسه بات موضع مساءلة.
خلاصة
«أب سكرولد» ليست مجرد تطبيق جديد، بل إشارة مبكرة إلى تحوّل في علاقة الإنسان بالمنصة الرقمية.
قد لا تهزّ عمالقة التواصل اليوم، لكنها بلا شك تشق أول صدع في جدار الاحتكار الخوارزمي، وتعيد طرح سؤال جوهري: لمن تنتمي المنصات؟ للشركات.. أم للناس؟
