تحصين الإجرام.. بين الصهيونية واليهودية

طاهر محمد الجنيد

 

ينكر بعض اليهود الصهيونية ويرونها خطراً عليهم، لأنها فكرة مسيحية نشأت من أجل الخلاص من اليهود، لكنها تحولت مع الاختراق اليهودي للكنائس إلى التعاون بدلاً من الصدام ومن المواجهة إلى تأمين المصالح المشتركة؛ حولت الصهيونية اليهود من مجرمين يجب القصاص منهم لما فعلوه بالنصارى وبالمسيح -عليه السلام- واتهامهم للعذراء -عليها السلام- إلى حلفاء لمواجهة الإسلام والمسلمين.

التضامن العالمي مع مظلومية الشعب الفلسطيني، أعاد إلى الواجهة التنافر بين اليهود والصهاينة من جهة، والنصارى واليهود من جهة أخرى، فقد أنكر بعضا منهم جرائم الإبادة والتهجير القسري وجرائم الحرب وحملوا الصهيونية وزرها، بعضهم بناء على دوافع دينية وآخرون حفاظا على اليهود من انقلاب الموازين وسعي الشعوب والأمم إلى الاقتصاص من المجرمين، وهو ما يعيد إلى الأذهان غضبة الشعوب الأوروبية على اليهود وطردهم منها بسبب سيطرتهم على الأنظمة الحاكمة والتحكم فيها .

الصهيونية حولت الإجرام المتبادل بين النصارى واليهود إلى مشروع استيطاني وافتعلت كثيراً من الأحداث الإجرامية لدفع اليهود للهجرة إلى فلسطين لخدمة المشاريع الاستعمارية وتفتيت الوحدة العربية والإسلامية.

أما غالبية اليهود وهم المسيطرون على المال والسلطات ووسائل الإنتاج والثروات فيروجون أن الصهيونية هي جوهر اليهودية ويستغلون سيطرتهم على الأنظمة المتصهينة لإعادة إنتاج وتطوير تهمة معاداة السامية إلى تهمة معادات الصهيونية ومعادات جرائم كيان الاحتلال من أجل حمايته وإسكات كل الأصوات المعارضة والقضاء عليها.

معظم الأنظمة الأوروبية طورت تهمة معادات السامية إلى معادات جرائم كيان الاحتلال والصهيونية، لأنها تدين بالوجود والاستمرار للرأسمال واللوبي اليهودي، ومثل ذلك الأنظمة المتصهينة في العالمين العربي والإسلامي، لكن بدون الحاجة إلى تهمة معادات السامية بل معاداة ولي الأمر والخروج عليه .

الأنظمة الليبرالية أظهرت دعماً واضحاً للصهيونية ولجرائم كيان الاحتلال؛ بينما الأنظمة اليسارية دعمت القضية الفلسطينية .

دعم الأنظمة الرأسمالية للإجرام، لأنها أفضل الأساليب التي اخترعتها للنمو والتمدد والنفوذ والسيطرة على الشعوب، لأنها تكرس الاستغلال والاستعباد وتساهم في خلق نظام اقطاعي يزداد الفقراء فقراً والأثرياء ثراءً، ووفقا لدراسة أعدها خبير اقتصاد فرنسي تحدث فيها أن هناك خمسة أثرياء يديرون الاقتصاد الأمريكي ويتحكمون فيه ولا يسمحون إلا لمن يريدون الحصول على الثروة وهم اللوبي الخفي الذي يتحكم بسياسة أمريكا.

الأنظمة اليسارية دعمت مظلومية الشعب الفلسطيني لاعتبارات كثيرة، منها الوقوف مع إرادات الشعوب ومواجهة خطر الرأسمالية، لأن انتصارها سيؤدي إلى نهب الثروات وتكديسها لصالح تلك الأنظمة .

النظام الأمريكي تحول من نظام لحماية الإمبراطورية الأمريكية إلى حماية الإجرام الصهيوني والدفاع عن الصهيونية بتهمة معادات السامية وعين مندوباً خاصاً من اليهود الصهاينة وخصص له مكتبا في البيت الأبيض وأعطيت له صلاحيات على كل الإدارات وفرضت تعليمات على شركات الاتصالات ومنصات التواصل الاجتماعي لخدمة الصهيونية والدفاع عن الإجرام والمجرمين .

تحرك النظام الأمريكي ضد الرأي العام لأن استطلاعات الرأي تؤكد أن غالبية الشعب الأمريكي تدعم حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني خاصة الأجيال الجديدة من الشباب وهم غالبية المجتمع.

اللوبي اليهودي لا يسمح بالانتقاد ويتبنى تطوير تهمة معاداة السامية لحماية جرائم كيان الاحتلال وحماية الصهيونية وإسقاط كل من يشكل خطراً على النفوذ اليهودي، فقد شن هجوما على كل من ينتقد جرائم كيان الاحتلال وأخرس كل الناشطين والمؤثرين ومنهم نائب الرئيس دفانس الذي دعا إلى مناقشة دعم الأجيال الشابة لفلسطين دون غيرهم، وفي ذات الوقت قال بوجوب التفرقة بين عدم الإعجاب بإسرائيل أو الاختلاف معها على سياسة معينة ومعادات السامية، لكن اللوبي الصهيوني شن عليه هجوما تجاوز الإسفاف إلى الإهانة والتحقير .

النظام الأمريكي اتخذ مسارين لمواجهة تضامن الرأي العام مع الشعب الفلسطيني الأول تفجير القضايا الداخلية وإشغال الرأي العام بها ومنها قضية المهاجرين؛ والثاني التحرك الخارجي والإطاحة بالأنظمة المعارضة للإجرام الصهيوني والتوسع لبسط النفوذ والهيمنة علي جرينلاند وفرض الرسوم الجمركية .

ترافقت تلك الإجراءات مع تسخير كل إمكانيات النظام الأمريكي لصالح اللوبي اليهودي من أجل القضاء على المظاهرات وانتفاضات الجامعات .

تحرك الصهاينة فتم عقد مؤتمر يهود أمريكا ومؤتمر الغضب ضد الكراهية وتم تأسيس منظمة “أوقفوا معاداة السامية” والتي خرجت ببرنامج شامل لتدمير كل من يعارض الإجرام الصهيوني بالتعاون والتنسيق مع كل المؤسسات الرسمية والأهلية، لكن ذلك لم يؤثر على دعم الرأي العام الأمريكي للقضية الفلسطينية حتى بين اليهود الذين خرجوا في أكبر مظاهرة لهم دعما لفلسطين وتوج ذلك بدعم كل من يقف في مواجهة اللوبي الصهيوني، ففاز المرشح زهران ممداني في الانتخابات في مقابل المرشحين المدعومين من اللوبي الصهيوني برغم الأموال التي تم بذلها لإسقاطه، وهو ما يؤكد التحول الإيجابي للرأي العام لصالح فلسطين.

تحركات اللوبي الصهيوني للاستحواذ والسيطرة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وآخرها منصة تيك توك أكدت خوفه من تحولات الرأي العام في غير اتجاهات دعم الإجرام والرؤية الصهيونية، فبعد توجيهات مجرم الحرب نتنياهو تم شراؤه من قبل أكبر داعم لجيش الإجرام الصهيوني “لاري اليسون” وعهد به إلى الصهيوني “آدم بريسر”، الذي أخذ على عاتقه حظر كل الحسابات التي تتحدث عن الصهيونية بصورة سلبية ودعم كل من يتحدث عنها بصورة إيجابية، وفي مقابل ذلك حظر كل الحسابات الداعمة للقضية الفلسطينية والمنددة بجرائم الإبادة والتهجير القسري وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية .

في الماضي استخدمت الأنظمة المتصهينة “الهلوكوست” ومعاداة السامية وسيلة لإرهاب المعارضين للتحالف الصهيوني الصليبي والقضاء عليهم وهو ما مكنها من تقديم الدعم لكيان الاحتلال والدفاع عنه، حيث كان يتم التحكم بالاخبار من خلال وسائل الإعلام الرسمية بما يخدم التحالف الإجرامي .

اليوم يحاول التحالف الصهيوامريكي حجب الحقائق وتسويق الأكاذيب من خلال السيطرة التامة على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام وتوسيع تهمة معاداة السامية إلى معاداة الصهيونية وحماية الإجرام الصهيوني وهو ما جعله يمارس الإجرام دون خوف من المساءلة أو العقاب .

الصهيونية لا تؤمن بالله ودستور كيان الاحتلال ينص على العلمانية، لكن الصهاينة يديرون النظام بالعلمانية ويحتجون بالتوراة المُحرفة لإثبات أن لهم حقاً في فلسطين، فمثلا سفير كيان الاحتلال لدى أمريكا (يحتل لير) يرفض التفريق بين اليهودية والصهيونية ويؤكد أنها جوهر اليهودية، فمن يقول ليس لدي مشكلة مع اليهود، بل مشكلتي مع الصهيونية ؛ومن يقول لست ضد اليهود بل ضد إسرائيل (ليس لأحد أن يعلم اليهود ما هو جوهر الصهيونية؛ اليهودية تبدأ بعبارة لك لك لإبراهيم اتحد مع الأرض والشعب –فالصهيونية جوهر التجربة اليهودية) ولا يخرج كلام القس الأمريكي هكابي سفير أمريكا لدى كيان الاحتلال عن رأي سابقه، فهو يرى أن من يعادي الإجرام الصهيوني يعادي الله (إذا كنت ترفض المبادئ الروحية الأساسية وتفضل العيش في عالم علماني ينكر وجود الله فإن هدفك سيكون اليهود الآن؛ وسيكون على المسيحيين أن يدركوا أنهم الهدف التالي)، وهو كلام يستحث به المسيحيين لدعم الإجرام الصهيوني خوفا على أنفسهم .

التحالف الصهيوأمريكي يقلب الحقائق وينشر الأكاذيب، على أنها حقائق، يستندون إلى التوراة المُحرفة لتبرير الإجرام والتمسك بالأكاذيب وفي ذات الوقت يسفهون الأنبياء ويتطاولون على الله، فمن زوَّر كل تلك الأكاذيب والافتراءات على الله والأنبياء والرسل، لا يستحيل عليه أن يزور الوعود الكاذبة خاصة وهو يملك القوة التي تمكنه من فعل ما يشاء ويريد.

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا